جزيرة السعادة

 

استغلال العمال المهاجرين في جزيرة السعديات بأبو ظبي

تبعد جزيرة السعديات، في الخليج العربي، عن شاطئ أبو ظبي، العاصمة الغنية بالنفط للإمارات العربية المتحدة، مسافة 500 متر. تتكون هذه الجزيرة المثلثة الشكل البالغة مساحتها 27 كيلومتراً بالأساس من الرمال ومستنقع. وخلال عشرة أعوام، إذا مضت قدماً خطة التنمية المقرر لها مبلغ 22 إلى 27 مليار دولار، حسب الجدول المُعدّ لها، سوف تصبح الجزيرة موقعاً لست مؤسسات ثقافية، منها فرعين لمتحفيّ غوغنهايم واللوفر، ومتحف مخصص لتراث أبو ظبي والرئيس الأول للإمارات، شيخ زايد، ومتحف بحري، ومركز للفنون، وفرع لجامعة نيويورك. وسوف يُشيَّد على الجزيرة ملعبين للغولف، ومساكن خاصة باهظة التكلفة، ومرفأ بحري، و29 فندقاً. ومن المقرر البدء في بناء أول هذه المراكز، وهو فرع اللوفر، في مايو/أيار 2009، ويليه فرع غوغنهايم ومتحف الشيخ زايد.

وقد أسست حكومة أبو ظبي شركة التطوير والاستثمار السياحي لتطوير جزيرة السعديات محوّلة إياها إلى منطقة سياحية دولية. لكن الكثير من العمال المهاجرين الذين يعملون حالياً في جزيرة السعديات لا يلقون سعادة تُذكر في حياتهم أو عملهم، إذ يستمرون في التعرض لنفس أنواع الاستغلال والإساءات التي وثّقتها هيومن رايتس ووتش في الإمارات العربية المتحدة، في تقريرها الصادر عام 2006 بعنوان "بناء الأبراج وخداع العمال".

" توثق هيومن رايتس ووتش في هذا التقرير، أشكال استغلال العمال الجسيمة في جزيرة السعديات. وفي بعض الحالات، يرقى الاستغلال إلى ظروف العمل الجبري. "

وقد تصدت الحكومة الإماراتية لجملة من المشكلات التي تؤثر على حياة العمال المهاجرين، ومنها محاولات لتحسين ظروف السكن والرعاية الصحية. كما سعت شركة التطوير والاستثمار السياحي إلى ضمان أن المتعاقدين معها يتصدون بدورهم لبعض هذه القضايا، بأن طالبت في العقود أصحاب العمل بأن يؤكدوا على أنهم لا يتورطون في استخدام العمل الجبري أو يشجعون عليه، أو أنهم يطالبون الموظفين بتسليم جوازات سفرهم، أو يمنعون الأجور عن الموظفين. وعلى الرغم من هذه الشروط، إلا أن الإساءات تستمر، مع إخفاق الإصلاحات في التصدي لأسباب استغلال العمال الأساسية، مثل دفع الموظف لرسوم الاستقدام بنفسه، وسيطرة أصحاب العمل على تأشيرات العمل، والأجور المتدنية للغاية التي تقع غالباً تحت الرواتب التي وُعد العمال بها في بلدانهم الأصلية بكثير، وفرض القيود على التنظيم، وغياب آليات التعويض والانتصاف القانونية الحقيقية. وبالنتيجة، فإن الإساءات بحق العمال ما زالت تقع بشكل متكرر ومألوف.

كما أن متحف غوغنهايم، ووكالة المتاحف الفرنسية (التي تُشرف على تشييد فرع اللوفر في أبو ظبي) وجامعة نيويورك، وغيرها من المؤسسات، أخفقت في اتخاذ الخطوات اللازمة لمنع بعض الإساءات التي تقع في أماكن عمل هذه المؤسسات. وعلى هذه المؤسسات أن تستصدر ضمانات قابلة للتطبيق من الشركاء التنفيذيين الإماراتيين، مفادها أن بناء منشآتهم في أبو ظبي – سواء كان عليها أسمائهم فقط أو يديرونها فعلياً – لن يتم في ظل تعريض العمال المهاجرين للإساءات.

أوضاع العمال في أبو ظبي

جراء الوعد بالوظائف في الإمارات العربية المتحدة، يعمل آلاف الرجال من الهند وباكستان وبنغلاديش وسريلانكا ونيبال وتايلاند في جزيرة السعديات. ويمضي العُمال 12 ساعة يومياً في مواقع عملهم، وعادة ما يمضون هذا الوقت في أوضاع شاقة تشمل الطقس المتطرف والرطوبة وتجاوز درجة الحرارة 100 درجة فهرنهايت (38 درجة مئوية).

ويقول عدة عمال إن وكالات "استقدام العمال" في بلدانهم الأصلية وعدتهم بوظائف في شركات الإنشاءات الإماراتية برواتب جيدة ونفقات معيشة متدنية. وفي مقابل إمدادهم بتأشيرات العمل الإماراتية، وفي بعض الحالات تذاكر الطيران، فرضت الوكالات على الرجال رسوماً تبلغ 4100 دولار، أي تسعة أضعاف متوسط دخل بعض العمال في بلدانهم الأصلية. ولدفع رسوم الوكالات، اقترض العمال النقود من الأقارب، وحصلوا على النقود ببيعهم أراضيهم الزراعية أو ماشيتهم أو منازلهم، أو بالاقتراض من المقرضين المحترفين بمعدلات فائدة عالية في العادة. ويحظر القانون الإماراتي تعامل أصحاب العمل مع الوكالات التي تفرض رسوم استقدام على العمال، لكن لا الحكومة الإماراتية ولا شركة التطوير والاستثمار السياحي (وهي شركة تطوير حكومية) أو الشركاء الدوليين للطرفين، عملا على ضمان الالتزام بالقانون، وما زال العمال الذين يشتغلون لدى شركات البناء على أرض جزيرة السعديات؛ يتحملون هذا العبء غير القانوني وغير العادل على سبل معيشتهم.

 

تمييز قطعة لتحريك النص

" يُرجح أن تستمر الانتهاكات بحق العمال الوافدين في سياق عدم دراية العمال بشكل عام بحقوقهم وخشيتهم إبداء الشكوى، ومع نقص المراقبة المستقلة والفعالة، وعدم وجود نقابات وجماعات لحقوق العمال."

وبما أنهم يأتون إلى الإمارات وهم مدينون بالفعل، فالكثير من العمال لا حيلة لهم في التفاوض على شروط أفضل في عقود العمل الإماراتية الرسمية، والتي يطلب منهم أصحاب عملهم من شركات توقيعها لدى وصولهم إلى الإمارات. والكثير من العمال – وهم عادة أميون لا يعرفون القراءة – لا يفهمون حتى شروط هذه العقود الجديدة.

وبعد توقيع هذه العقود، اكتشف العديد من العمال بجزيرة السعديات أن رواتبهم في الإمارات أقل بخمسين في المائة مما وعدتهم به وكالات الاستقدام في بلدانهم الأصلية، وأن أجرهم عن ساعات العمل الإضافية وأيام العطلات وغيرها من الامتيازات قلّ كثيراً بدوره. وذكر مسؤولون إماراتيون أن الإمارات لن تتدخل في حالة ارتكاب وكالات استقدام عمال أجنبية لأعمال تزوير خارج حدود الإمارات. وقال مسؤولون دبلوماسيون من الدول الراسلة للعمال في أبو ظبي إن ليس بوسعهم الكثير ما لم يكن العمال قد أبرموا عقوداً مع وكالات استقدام العمال، وقد فعل هذا اثنان فقط من 94 عاملاً على جزيرة السعديات تحدثت إليهم هيومن رايتس ووتش.

والعمال نصف المهرة وغير المهرة الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش على الجزيرة يتلقون راتباً يومياً يتراوح حول 8 دولارات، وهذا مقابل العمل 10 ساعات يومياً، بما في ذلك ساعات العمل الإضافية، رغم أنهم عادة ما يمضون 12 ساعة في موقع العمل وما يصل إلى ساعتين إضافيتين في الانتقال إلى ومن الجزيرة [التي يتم عليها العمل]. ومتوسط الأجر السنوي، بما فيه الأجور الخاصة بساعات العمل الإضافية، بالنسبة لعمال السعديات الأجانب، هو 2575 دولاراً.

وفيما تلقى بعض عمال جزيرة السعديات مؤخراً علاوات زهيدة (تتراوح عادة حول 5.45 دولاراً شهرياً)، فإن أجرهم لم يجار التضخم، فالأرز على سبيل المثال، ارتفع ثمنه لأكثر من الضعف في الإمارات على مدار العام الماضي. وعلى الرغم من المتطلبات الواردة في قانون يعود تاريخه إلى عام 1980؛ فإن الحكومة الإماراتية أخفقت في إعداد مؤشر بالحد الأدنى للأجور أو مؤشر لتكلفة المعيشة.

وجراء مزيج قوامه رسوم وكالات الاستقدام الباهظة، والاقتراض بأسعار فائدة مُبالَغ في تقديرها، والأجور الزهيدة، فإن الكثير من العمال في السعديات قالوا إنهم بدلاً من ادخار النقود، فإن عليهم العمل لسنوات لمجرد رد ديون من استدانوا منهم. مثلاً، قال أحد الرجال لـ هيومن رايتس ووتش إنه بعد 18 شهراً ردّ بالفعل المبلغ الأساسي للقرض الذي اقترضه لكنه ما زال مديناً بمبلغ أكبر، هو مبلغ الفائدة المتراكمة.

وتمنع قوانين الإمارات العمال في جزيرة السعديات من تحسين وضعهم المالي. وقدرة عامل البناء الوافد على العمل والحياة في الإمارات تستند إلى استمرارية "كفالته" من شركة واحدة. بموجب القانون، فإن العمال الذين يسعون للالتحاق بوظيفة أفضل في شركة أخرى – وهي ممارسة يُشار إليها بمصطلح "الفرار" – يتعرضون للترحيل والمنع من العودة للإمارات لمدة عام، باستثناء في الحالات التي يخفق فيها صاحب العمل الأساسي في أن يدفع لهم أجر أكثر من شهرين.

وتمارس الشركات رقابة مفرطة يمنحها لها القانون الإماراتي، بحق العمال الأجانب، وهذا بواسطة مصادرة جوازات سفر العمال. وبعض العمال، على سبيل المثال، أفادوا بأن الشركات رفضت أن تعيد إليهم جوازات سفرهم للسماح لهم بحضور حفلات عرس أو جنازات في بلدانهم الأصلية. ويحظر القانونان الإماراتي والدولي مصادرة جوازات السفر، بصفة هذا الإجراء انتهاك لحرية التنقل.

والطبيعة العازلة لجزيرة السعديات تؤثر بدورها على حرية العمال في التنقل. فقد اعتبرت وزارة العمل السعديات "منطقة منعزلة"، مما يستدعي أن تمد الشركات الناشطة هناك العمال بحق الانتفاع بوسائل النقل الدائمة. إلا أن الكثير من العمال قالوا إنهم لا يمكنهم مغادرة الجزيرة إلا في يوم الجمعة، وهو يوم عطلتهم، وهذا على متن حافلات الشركة.

، يعمل العمال فعلياً، في بعض الحالات، في أوضاع العمل الجبري: إذ يتم التغرير بهم بشكل ينطوي على الاحتيال لكي يعملوا في الإمارات، ويضطرون للعمل من أجل دفع الديون التي لحقت بهم كي يصلوا إلى عملهم، ولا يمكنهم الفرار من الإمارات لأن أصحاب عملهم صادروا جوازات سفرهم لدى وصولهم إلى الإمارات. وأوضاع العمل الجبري هذه محظورة بموجب اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 29، التي صدقت عليها الإمارات في عام 1982.

وجميع العمال الذين تمت مقابلتهم قالوا إنهم يخشون المطالبة بمعاملة أفضل عبر تقديم الشكاوى إلى وزارة العمل الإماراتية أو التظلم في المحاكم، إذ يعتقدون أنهم سيخاطرون بفصلهم أو ترحيلهم إذا هم فعلوا هذا. كما قال العمال في السعديات إنهم يخشون التنظيم النقابي أو الإضراب عن العمل، كما أن العمال الذين حاولوا التنظيم، والتفاوض جماعياً أو الإضراب للمطالبة بحقوقهم، لم يحمهم القانون وتعرضوا لفسخ العقود والترحيل. وقد سجنت الحكومة الإماراتية عشرات الآلاف من العمال المُضربين على مدار السنوات الثلاث الماضية، طبقاً لتقارير صحفية، وقامت بترحيل عدد غير معروف.

ولا يوجد تقريباً أي مجال للدفاع عن حقوق العمال بعيداً عن التنظيم النقابي. ولا تُقر الإمارات بأية منظمات حقوقية غير حكومية، باستثناء الجمعية الإماراتية لحقوق الإنسان شبه الرسمية وجماعات أخرى مثل الهلال الأحمر، ويواجه نشطاء حقوق الإنسان المستقلين عادة المضايقات والرقابة. وقد تحدثت هيومن رايتس ووتش إلى ممثلين عن منظمتي مجتمع مدني غير معترف بهما حاولتا مساعدة العمال الأجانب، وإحداهما فرع محلي لمنظمة مجتمع مدني فلبينية، لكن بدلاً من المخاطرة بمحاولة التأثير على الحكومة الإماراتية، حاولتا التأثير على سفارات بلدانهما الأصلية. ولا يوجد تقريباً أي نقاش عام حول الطبيعة الشاملة لانتهاكات حقوق العمال. وتغطي وسائل الإعلام المحلية بعض الإضرابات العنيفة ومصرع العمال نتيجة لظروف العمل غير الآمنة، لكن يبدو أن الرقابة الذاتية لوسائل الإعلام على نفسها تمنع التغطية الإعلامية الناشطة لانتهاكات حقوق العمال الأجانب.

الإصلاحات العمالية

اتخذت الإمارات وأبو ظبي بعض الخطوات التمهيدية الهامة نحو تقليل الإساءات بحق عمال البناء الأجانب، رغم أنه تم أيضاً الحنث ببعض الوعود الإصلاحية وتم الإخفاق في تطبيق القانون أحياناً. الإصلاح التشريعي الأوضح في أبو ظبي ما زال هو حظر عام 2005 على العمل أثناء ساعات النهار الأكثر حرارة، من يوليو/تموز إلى أغسطس/آب، من الساعة 12:30 إلى 4:30 مساءً، لمنع تعرض العمال للإرهاق من الحرارة. وبعد ضغط الشركات، خفضت الحكومة الفترة إلى 12:30 إلى 3:00 مساءً. وقد قلت حالات الإصابات جراء الحرارة في مستشفى أبو ظبي العام أثناء هذه الشهور (من 384 حالة في عام 2005 إلى 140 في عام 2008).

وفي 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2006، أصدر رئيس الوزراء الإماراتي قراراً يأمر فيه بأن ينفذ وزير العمل على الفور الإصلاحات في عدة مجالات، منها:

  1. الإسكان الملائم، (و"ملائم" مُعرفة بشكل متسق مع المعايير الدولية للملائمة)؛
  2. النقل الآمن للعمال إلى مواقع العمل (ويحظر تماماً على سبيل المثال، الناقلات المفتوحة في الظروف الجوية المتطرفة)؛
  3. إنشاء محاكم عمالية اتحادية جديدة لحل نزاعات العمال بشكل سريع؛
  4. يجب أن ينال العمال المقرر عودتهم إلى بلدانهم الأصلية الإسكان والتعذية الملائمين بانتظار عودتهم.
  5. يُمنح العمال الذين تعرضوا للغش في رواتبهم أو لم يحصلوا من الراتب على أكثر من راتب شهرين، حق التسريح من كفالة صاحب عملهم إذا اختاروا هذا.

 

وقد اتخذت السلطات الحكومية والقطاع الخاص بعض الخطوات المحدودة إثر قرار 2006 بوجوب اتفاق إسكان العمال مع "المعايير والاتفاقيات الدولية". وذكر وزير العمل الإماراتي في 25 مارس/آذار 2007 أن الحكومة أغلقت 100 مسكن لعمال دبي (مجمعات سكنية تؤجر أو تُملك للشركات ويسكن فيها مئات أو آلاف العمال في حجرات مشتركة، ويُشار إليها عامة باسم المخيمات العمالية). وقال تنفيذيون في شركة التطوير والاستثمار السياحي لـ هيومن رايتس ووتش إن مرافق الإسكان في جزيرة السعديات سوف تفي بالمعايير الدولية أو تزيد عليها.

وضمان الحد الأدنى للإسكان للعمال في جزيرة السعديات هو خطوة ضرورية تحظى بالترحيب. إلا أنه من الواضح أن قرار عام 2006 بتحسين سكن العمال ما زال مطمح غير متحقق بشكل كامل على أفضل تقدير. ففي أغسطس/آب 2008 على سبيل المثال، ذكرت سلطات الصحة في دبي أن 40 في المائة من مخيمات العمال البالغ عددها 1033 في الإمارات، تنتهك معايير الحد الأدنى للصحة والسلامة من الحرائق. وفي يونيو/حزيران 2008 تفشى وباء الجدري في مخيم عمال بالشارقة، على صلة بغياب النظافة الصحية عن المخيم. وفي أغسطس/آب لقى 11 عامل بناء في دبي مصرعهم حين اشتعلت النار في مسكن للعمال مكون من 30 حجرة ويقطنه 500 عامل بشكل غير قانوني، وقام بعضهم بالقفز من النوافذ لأن الأبواب الخارجية مغلقة. وشاهدت هيومن رايتس ووتش الحجرات المزدحمة في عدة مخيمات عمالية في دبي وأبو ظبي (لكن ليس تلك الخاصة بجزيرة السعديات) حيث يُطلب من العمال الذين يفدون حديثاً النوم على الأرض بدلاً من الحشايا لأيام وأسابيع.

كما يطالب قرار عام 2006 أصحاب العمل بتوفير التأمين الصحي للعمال منخفضي المهارات. وحتى سبتمبر/أيلول 2008 كان يجب في أبو ظبي توفير هذا التأمين الصحي، وأعلنت دبي عن خطط لإدخال التأمين الصحي الإجباري بحلول عام 2015. إلا أنه وكما هو معروض أدناه ("الرعاية الصحية غير الملائمة")، فإن توفير الرعاية الصحية في أبو ظبي ما زال غير ملائم إلى حد كبير، إذ أفاد بعض العمال أنهم يضطرون لدفع نفقات العلاج وزيارة المستشفيات من رواتبهم، فيما اشتكى أخرون من أنه باستثناء في حالة وقوع إصابات، فمن الصعب مقابلة الأطباء، باستثناء "ممرضو الشركة" الذين يوفرون العلاج في موقع العمل.

وفي فبراير/شباط 2007، أعدت الحكومة مشروعاً لقانون العمل، ورغم أنه لم يعالج الكثير من الثغرات، مثل إخفاق القانون الحالي في كفالة حق العمال في تنظيم النقابات والإضراب والتفاوض جماعياً، فقد طالب أصحاب العمل بدفع نفقات انتقالات العمال، وتصاريح التوظيف، والفحوصات الطبية، وغيرها من النفقات الإدارية المطلوبة وكذلك نفقات الرعاية الصحية للعمال، ومنها تغطية نفقات العمال المهاجرين لدى وصولهم إلى الإمارات. إلا أن الحكومة سحبت مشروع القانون ولم تعلق على احتمال إجراء إصلاحات عمالية منذ ذلك الحين.

من ثم فإن أي من الإصلاحات المُقترحة لم تتصد بشكل صلب للمصادر الأساسية للإساءات، سواء كانت دفع العمال لرسوم الاستقدام، أو مصادرة جوازات سفر العمال، أو فرض القيود على تنقلات العمال، بالاقتران بالقوانين والممارسات التي تُجرّم مطالبة العمال بمعاملة أفضل عن طريق التفاوض الجماعي أو تشكيل النقابات أو الإضراب.

وليس ثمة مؤشر على أن وعود الإصلاح أسفرت عن أي تغيير في دفع العمال لرسوم الاستقدام، وهو الأمر الذي ما زال مستشرياً وفي صميم أسباب استغلال العمال. وقد وقعت الإمارات العربية المتحدة مذكرة تفاهم بشأن العمل والقوى البشرية مع الهند في ديسمبر/كانون الأول 2006، وتتطلب أن يكون استقدام "جميع فئات العمال متفقاً مع قوانين الدولتين" وأن "شروط ومواصفات التوظيف" المعروضة من قبل وكالات الاستقدام على العمال في الهند، متفقة مع تصريح العمل الذي يحصل عليه صاحب العمل من الحكومة الإماراتية، ويجب ألا تكون لصاحب العمل سلطة في تغيير شروط العقد. وفي 25 مارس/آذار 2007 ذكرت وزارة العمل أنها وقعت مذكرات تفاهم مع الدول الراسلة للعمالة من أجل تحسين أنظمة ومراقبة وكالات استقدام العمال في هذه البلدان، وأنها تنظر في تشكيل وكالات استقدام حكومية في الإمارات، وسوف تُجمد إصدار التراخيص الجديدة بوكالات الاستقدام الإماراتية بانتظار مراجعة إطار العمل التنظيمي في الإمارات. وإذا تم تنفيذ مذكرات التفاهم هذه، فسوف تكون بمثابة خطوة أولى نحو منع وكالات استقدام العمال غير الإماراتية من فرض الرسوم على العمال بشكل غير قانوني، وكذلك في بعض الحالات، منعها من وعد العمال بشروط توظيف تفوق كثيراً الشروط الحقيقية التي يجدونها لدى الوصول إلى الإمارات (يُشار إليها باسم "استبدال العقد").

ورغم وعود الإصلاح الخاصة بدفع الأجور بشكل فوري، فإن الممارسة على أرض الواقع في أبو ظبي ما زالت تنطوي على إشكالية. فالإصلاحات التشريعية الإماراتية تدعو أصحاب العمل إلى فتح حسابات بنكية لكافة العمال الأجانب، ودفع رواتبهم بشكل منتظم في هذه الحسابات، بدلاً من الدفع للعمال نقداً في موقع العمل. والمقصود بهذا الإصلاح محاربة تأخر أصحاب العمل في دفعهم للأجور، مما قد يؤدي إلى أن تفوت على عمال البناء الوافدين المستدينين بمبالغ طائلة دفعهم لفوائد هذه الديون، وأن تلحق بهم رسوم إضافية. وسجلات الدفع الإلكترونية من شأنها أن تيسر أيضاً المراجعة على الشركات لتبين حالات المخالفات، مثل منع الأجور بشكل غير قانوني، وهو ما وثقته هيومن رايتس ووتش ورأت أنه أمر منتشر و"معتاد" في التقرير الصادر عن المنظمة عام 2006.

ومن المجالات الأخرى التي لم تحرز فيها الحكومة أي تقدم، السماح للعمال بتشكيل النقابات العمالية والإضراب. في أكتوبر/تشرين الأول 2004، وافقت لجنة التشريع بوزارة العدل على مشروع قانون يسمح بتشكيل نقابات في القطاع الخاص، ورغم إعلان الحكومة أكثر من مرة أنها ستصدر القانون، فهي لم تفعل. وبدلاً من هذا يستمر العمال المضربون عن العمل في مواجهة الاحتجاز والترحيل. ورغم أن تقارير صحفية عديدة تبين منها أن مؤخراً لا ترحل السلطات إلا المتظاهرين العنيفين، فإن عدة عمال بناء وعمال مهاجرين آخرين، منهم سائقي سيارات أجرة، قالوا لـ هيومن رايتس ووتش بأن معارف وأصدقاء لهم قامت الشرطة باحتجازهم بلا اتباع الإجراءات القانونية والقضائية، ثم تم نقلهم إلى المطار، ورُحلوا بعد أن أضربوا عن العمل. ويقوم العامل الذي تم ترحيله بالاتصال بأصدقائه في الإمارات فيما بعد ويخبرهم بقصته. وقال العمال لـ هيومن رايتس ووتش إنه لا يتم عقد جلسات إدارية أو قضائية من أي نوع أثناء عمليات الترحيل هذه.

والشكوى الرئيسية لعمال البناء المهاجرين في أبو ظبي في عام 2008، كما كانت بالنسبة لعمال دبي والشارقة في عام 2006، هي تلقيهم لأجور متدنية، وفي حالات كثيرة بعد أن يكونوا قد وعدوا برواتب أفضل من وكالات الاستقدام التي لا يمكنهم الرجوع عليها بالشكوى. وتحديد حد أدنى للأجور في الإمارات من شأنه أن يساعد على تفادي هذه الممارسات الخداعية. وفي عام 1980، أمر القانون الاتحادي رقم 8 بشأن العلاقات العمالية، بأن تنفذ الحكومة حداً أدنى للأجور ومؤشراً لتكاليف المعيشة. وبعد مضي ثلاثين عاماً تقريباً من القانون ما زالت الحكومة بمنأى عن تنفيذه.

 

دور المؤسسات الدولية

منذ عام 2005 وقّعت عدة مؤسسات تعليمية وثقافية اتفاقات على بناء فروع لها في "المنطقة الثقافية" بجزيرة السعديات في أبو ظبي، ومنها غوغنهايم واللوفر وجامعة نيويورك. وقامت مؤسسات هندسية معروفة عالمياً بتصميم كل من المؤسسات الست في المنطقة الثقافية، ومنها شركة غيهري بارتنرز (غوغنهايم) وأتيليه جين نوفل (اللوفر) وفوستر وشركاه (متحف الشيخ زايد) وتاداو أندو (المتحف البحري)، وزها حديد (مركز الفنون) ورافاييل فينولي (جامعة نيويورك). وكانت مؤسسة غوغنهايم هي أول مؤسسة ترتبط بالمشروع، ثم تبعها متحف اللوفر وجامعة نيويورك. واتصلت هيومن رايتس ووتش بكل من هذه المؤسسات والشركات الهندسية لإبداء بواعث القلق، ولدعوتها لاتخاذ خطوات استباقية، وعلى الأقل استخلاص ضمانات تعاقدية من الشريك الإماراتي بأنه سيتم حظر المتعاقدين الذين تُمارس في مشروعاتهم الإساءات الأكثر جسامة وانتشاراً، مثل مصادرة جوازات سفر العمال وعدم دفع رسوم الاستقدام، وضمان أن هذه المؤسسات لا تستفيد من استغلال العمال المهاجرين في أبو ظبي.

وذكرت هيومن رايتس ووتش عدة شركات تعمل في جزيرة السعديات، منها شركات الجابر للبناء، وآراب تيك، وسيف بن درويش، وأبو ظبي الوطنية للفنادق/كومباس ( ADNH )، وكذلك الشركة الألمانية إد زبلن أيه جي، والشركة الأسترالية لايتون الدولية، التي دخلت في شراكة مع شركة الحبتور الإماراتية لتشكيل مجموعة الحبتور لايتون.

وكانت بعض المؤسسات أكثر استجابة وتعاوناً من غيرها، مع هيومن رايتس ووتش. ومن المؤسسات التي ناقشنا معها حقوق العمال، قالت مؤسسة غوغنهايم ووكالة المتاحف الفرنسية (التي شكلتها الحكومة الفرنسية للإشراف على بناء اللوفر في أبو ظبي) إنهما أحستا بالإعاقة جراء ضغوط شركة التطوير والاستثمار السياحي من أجل التزام الصمت إزاء هذا الموضوع. ولم تتعامل جامعة نيويورك بصفة مباشرة مع شركة التطوير والاستثمار السياحي، وتتعامل مع سلطة الشؤون التنفيذية في أبو ظبي، رغم أن مسؤولي جامعة نيويورك يعرفون بأن شركة التطوير والاستثمار السياحي مسؤولة عن الإشراف على أعمال البناء الخاصة بالبنية التحتية في جزيرة السعديات التي سيُبنى عليها مقر جامعة نيويورك.

 

تمييز قطعة لتحريك النص

"وما لم تُصر مؤسسات غوغنهايم واللوفر وجامعة نيويورك وغيرها على أن يكفل شركاء البناء المحليين بموجب القانونين الإماراتي والدولي حقوق العمال، فإن الفروع الأحدث لهذه المؤسسات ربما يبنيها عمال يتعرضون للإساءات."

وهذه المؤسسات الثلاث أقرت بتفشي المشكلة في أبو ظبي وأعلنت تقديرها لها، لكنها مستمرة في مشروعاتها بغض النظر عن استغلال العمال المرجح أن يقع جراء هذه المشروعات. وقابلت هيومن رايتس ووتش مسؤولين من مؤسسة واحدة فقط، هي وكالة المتاحف الفرنسية (التي تشرف على اللوفر في أبو ظبي)، وناقشت معهم هذه القضايا في عدة مناسبات، ووصفت كيف حصلت على وعود تعاقدية محددة من شركة التطوير والاستثمار السياحي، وهي الشريك في هذه المشروعات، بشأن معايير معاملة العمال الوافدين والمراقبة المستقلة لمعاملتهم.

وقابلت هيومن رايتس ووتش أعضاء من مؤسسة غوغنهايم في أبريل/نيسان 2008 وقابلت استشاريين تابعين لمشروع غوغنهايم أبو ظبي في فبراير/شباط 2009. وقيل لنا إن غوغنهايم أثار بشكل خاص تقارير هيومن رايتس ووتش عن الإساءات بحق العمال الوافدين مع شركة التطوير والاستثمار السياحي أثناء المفاوضات الأولية في عام 2006. إلا أن العقود الحالية لا تشمل أي متطلبات ملموسة لمراقبة أوضاع حقوق الإنسان أو أية أحكام محددة بشأن العمال.

واتصلت هيومن رايتس ووتش لأول مرة بجامعة نيويورك ناقلة إليها مخاوفها في عام 2007، ولم ترد جامعة نيويورك حتى عام 2009، حين قابل المسؤولون أخيراً هيومن رايتس ووتش في 10 أبريل/نيسان. وذكر مسؤولو الجامعة في الاجتماع أنهم لم يسعوا للخروج بضمانات تعاقدية محددة بشأن حماية حقوق العمال، من سلطة أبو ظبي للشؤون التنفيذية، الشريك التنفيذي، لأن البناء في حرم الجامعة لم يبدأ بعد، وذكروا وجود "التزام من الطرفين بجعل جامعة نيويورك نموذج للممارسات الفضلى في أبو ظبي". وقد نشرت جامعة نيويورك، مع سلطة أبو ظبي، قائمة بإحدي عشر "قيمة عمالية"، وذُكر فيها أن مشروع جامعة نيويورك سوف يلتزم بالقوانين الإماراتية، لكنها في العادة مبهمة ولا تتصدى لبواعث القلق الأساسية التي يوثقها هذا التقرير.

أما المتحف البريطاني، والذي طبقاً للتقارير الإعلامية، سوف يصبح له تواجد غير محدد بعد في أبو ظبي، فلم يرد على رسالة أرسلتها إليه هيومن رايتس ووتش في 9 مارس/آذار 2009، وهذا حتى 20 أبريل/نيسان.

وتُشجّع هيومن رايتس ووتش الرؤية العالمية لهذه المؤسسات الثقافية والتعليمية غير الربحية، لكنها تدعوها إلى ضمان أن توسعها لا يأتي على حساب استغلال العمال الوافدين الذين قد لا يتمكنون أبداً من تحمل رسوم دخول المتاحف أو التعلم في الجامعة. وهذه المؤسسات وغيرها من الشركات المشاركة في بناء فروع لها في أبو ظبي، يمكن أيضاً أن تتخذ خطوات لإظهار التزامها بحقوق الإنسان. الميثاق العالمي للأمم المتحدة على سبيل المثال، يسمح للشركات بأن تتعهد بالالتزام بعشرة "مبادئ" في مجالات حقوق الإنسان والعمل والبيئة ومكافحة الفساد. والالتزام بهذه المبادئ من شأنه على الأقل أن يدعو الشركات إلى اتخاذ إجراءات لتفادي تعمد خلق ظروف والاستفادة منها، ظروف العمل الجبري وغيرها من الانتهاكات الجسيمة للحقوق في مواقع عمل هذه الشركات.

كما حاولت هيومن رايتس ووتش التصدي لقضايا الإساءات هذه بشكل مباشر بالاتصال بشركة التطوير صاحبة أكبر مسؤولية وقدرة على التأثير على ما يحدث في مواقع العمل هذه، وهي شركة التطوير والاستثمار السياحي. وقابلت هيومن رايتس ووتش مسؤولين من الشركة في أبو ظبي في نوفمبر/تشرين الثاني 2008، وتلقينا رداً على رسالة أرسلناها نطلب فيها معلومات أكثر في يناير/كانون الثاني 2009. وشمل رد شركة التطوير والاستثمار السياحي قائمة مسهبة بالأحكام التعاقدية المطلوبة من الشركات المتعاقدة معها في جزيرة السعديات، ومعلومات تلقتها مؤخراً مفادها تأكيد المتعاقدين جميعاً على التزامهم بهذه الأحكام، وقامت بتعيين مراجع لمراقبة الالتزام. وهذه خطوات تحظى بالترحيب، وكذلك حقيقة أن الشركة أرسلت فيما بعد رسالة إلى الشركات المتعاقدة معها تطالبها فيها بتأكيد أنها: "لا تنخرط في أو تدعم العمل الجبري؛ ولا يُطلب من العمال طرفكم تسليم جوازات سفرهم إليكم لدى بدء العمل؛ ولا تمنعون الأجور أو تؤخرونها عن العمال".

منظمة مراقبة حقوق الإنسان

لمزيد من المعلومات حول المنظمة يمكنكم زيارة موقعها الإلكتروني:

www.hrw.org




شارك هذه الصفحة: