العمال المهاجرون، كبش فداء أم بشر لهم حقوق؟!

 

 

نستمّر في إصدار مجلة ’موارد‘ في شكلها الجديد ونخصص العدد 13 لموضوع حقوق العمال المهاجرين الذي يهّم عشرات الملايين من البشر حيث تقدر منظمة العمل الدولية عدد العمال المهاجرين اليوم بأكثر من 90 مليونا، قرابة نصفهم من النساء اللواتي تعمل معظمهن في قطاع الخدمات وقطاعات أخرى تتطلب مهارات متدنية.

 

والعامل المهاجر هو أي شخص يعيش ويعمل بصورة دائمة أو مؤقتة خارج الموطن الأصل. وتجدر الإشارة إلى أن الإحصاءات المتعلقة بالعمال المهاجرين غالبا ما تفتقر للدقة بحيث تغفل بعض أو جميع أولئك المهاجرين من غير النظاميين والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي، والذين دخلوا إما عن طريق التهريب، أو تخلفوا لسبب أو لآخر عن تجديد وثائقهم الرسمية.

 

لقد تعرض العمال المهاجرون وما زالوا، وعلى اختلاف أسباب هجرتهم، لطائفة متنوعة من الانتهاكات. وبوصفهم أجانب، يتعرضون بصورة متزايدة للتمييز والعنصرية وكراهية الجانب وسوى ذلك من أشكال التحيز. وتشمل أنواع انتهاكات حقوق الإنسان التي تُرتكب على العمال المهاجرون الامتناع بصورة روتينية عن دفع أجورهم، ومصادرة جوازات سفرهم أو بطاقات إثبات شخصيتهم من جانب أصحاب عملهم، وتوجيه الشتائم إليهم وإيذاؤهم جسديا من جانب أصحاب عملهم وعدم حصولهم على السكن والمرافق الصحية المناسب. كذلك يواجهون التوقيف والاعتقال التعسفيين في أوضاع غالبا ما تتسم بالسوء. وفي الوقت ذاته، يعيش كثيرون منهم في خوف دائم من الطرد من البلد الذي يعملون فيه، غالبا بدون إتاحة فرصة لهم لتقديم استئناف. ولإحاطة القارئ بمزيد من المعلومات حول الوسائل الواجب على الدول إتباعها إزاء المهاجرين أكانوا نظاميين أو غير نظاميين، تقدم ’موارد‘ 13 مقتطفات من تقرير لمنظمة العفو الدولية حول بدائل الاعتقال المتعلق بالهجرة للمهاجرين غير النظاميين وطالبي اللجوء.

 

يهاجر العمال بمفردهم أو بصحبة أفراد أسرهم للبحث عن ملجأ آمن يؤمن الغذاء والعيش بالحد الأدنى أو وسائل العيش الكريم والضمانات الاجتماعية والاقتصادية والرفاه في أحسن الأحوال، تدفعهم إلى ذلك الحروب أو الاضطهاد والتمييز أو الفقر المدقع أو حاجة دفينة في تغيير واقع حالهم. وفي كل عام يموت آلف منهم أثناء محاولتهم الوصول إلى دول أخرى، ويقع العديد من الآخرين فريسة خداع عصابات منظمة تعمل في مجال التهريب والاتجار بالبشر، حيث يتعرضون لسيل من وعود كاذبة وبراقة وعقود عمل مفبركة لا تعكس واقع عملهم في بلد المقصد وتنتهي بهم في أغلب الأحوال إلى العمل في ظروف أشبه بالعبودية أو ما يسمى بالرق المعاصر. وبشكل خاص تتعرض النساء للاستغلال، بما في ذلك العنف الجنسي. كذلك يتعرض الأطفال بشدة، وبخاصة عندما يكونون بمفردهم، للاستغلال ويرُغمون أحيانا على القيام بأسوأ أنواع العمالة، بما في ذلك الدعارة القسرية أو تهريب المخدرات أو التجنيد في القوات المسلحة أو العمل المنزلي في أوضاع أشبه بالعبودية. وبسبب وضعهم غير المستقر، يظل العديد من العمال المهاجرين معرضين للغاية لانتهاكات حقوق الإنسان من أصحاب عملهم والدول المضيفة وغالبا ما يخشون جدا الشكوى من أوضاعهم. وإذا فعلوا ذلك، يحُتمل أن يطردهم رب عملهم، وإذا لجئوا إلى الدولة، فقد يتم ترحيلهم من البلد . وغالبا ما يصف بعض السياسيين ووسائل الإعلام المهاجرين بأنهم مجرمون ويشكلون عبئا اقتصاديا وخطرا أمنيا وحتى خطرا على الصحة العامة. لكن الحقيقة هي أن اقتصاديات عديدة باتت تعتمد على المهاجرين المستعدين للعمل في أعمال قذرة ومهينة وخطرة لا تتضمن إلا القليل من الأمان وبأجور زهيدة. وتشغِّل الآن هذه القوة العاملة غير المعترف بها والمحرومة من التقدير والشأن جزءا ملموسا من الاقتصاد العالمي. وينُظر إلى العامل المهاجر بصورة متزايدة كسلعة أو وحدة عمل، كمقدم مؤقت للخدمات يمكن نقله ذهابا وإيابا حول العالم بحسب الهواء . وبهدف تعريف القارئ بأوضاع العمال المهاجرين ومعاناتهم ننشر في هذا العدد بعض المقالات في هذا الصدد، ومنها ما جاء بأقلام شابة دخلت إلى أعماق العمال المهاجرين وحياتهم، فرصدت الإنسان وانتهاك حقوقه الإنسانية كما لحظات وفسحة حرية خرجت من بحر من المظالم.

 

لقد شكل تاريخ 18 كانون الأول/ ديسمبر من عام 1990، مفصلا مهما في النزاع من أجل تعزيز الاعتراف الدولي بحقوق العمال المهاجرين، إذ أبصرت ’الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم‘ النور. ومن الجدير بالذكر، أن اتفاقية العمال المهاجرين أعلاه، جاءت لتبني على مسيرة وخبرة منظمة العمل الدولية الطويلة في مجال حماية حقوق العمال المهاجرين والاتفاقيات الموضوعة في إطارها على وجه الخصوص، وأبرزها: اتفاقية العمال المهاجرين (المراجعة) لعام 1949 (اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 97)؛ والاتفاقية المتعلقة بالهجرة في أوضاع تعسفية وتعزيز تكافؤ الفرص ومعاملة للعمال المهاجرين لعام 1975 (اتفاقية رقم 143). ويضيء العدد 13 من ’موارد‘ على اتفاقية العمال المهاجرين فضلا عن الإطار متعدد الأطراف لمنظمة العمل الدولية والذي يشكل نهجا قائما على الحقوق إزاء هجرة الأيدي العاملة وعن حقوق العمال المهاجرين في النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان.

 

ونعرّف في نفس العدد بمنظمات ومؤسسات تعمل على تعزيز حقوق العمال المهاجرين والدفاع عنها. وقد شكلت العديد من هذه المنظمات تحالف دولي واسع للمنظمات غير الحكومية حول اتفاقية العمال المهاجرين.

 

وتطرح هذه الانتهاكات تحديا من نوع آخر يضع التربية على حقوق الإنسان وزيادة الوعي بها في قائمة الأولويات بحيث تشكل زيادة الوعي بهذه الحقوق الإنسانية العالمية وغير القابلة للتجزئة حجر الزاوية في إعلاء حقوق الإنسان للجميع بما في ذلك العمال المهاجرين وغيرهم من الفئات المستضعفة أو المهمشة.

 

وتضمّن العدد عرضا لعدد من الكتب ولفيلم سينمائي والموارد الإلكترونية ذات الصلة بموضوع حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم .كما احتوى العدد على أبرز المستجدات على الساحة الدولية في مجال تعزيز حقوق الإنسان.

 

مازن جابر

مسؤول المعلومات للتربية على حقوق الإنسان




شارك هذه الصفحة: