كلمات عتب مملح إلى منظمة العفو الدولية

عبدالحسين شعبان

نقلا عن صحيفة العرب القطرية بتاريخ 9 مارس/ آذار 2009

لأن منظمة العفو الدولية مهنية ورصينة، وعلى قدر كبير من الصدقية، ولأنها من أكثر المنظمات انتشاراً وتأثيراً، ولأنها دافعت بأمانة عن حقوق الإنسان منذ تأسيسها في العام 1961 وحتى الآن، فإن تدقيق وتمحيص ونقد بعض مواقفها يكتسب أهمية خاصة، لاسيما إذا كان عبر حوار معرفي ومن المواقع ذاتها، خصوصاً إزاء حساسية الضحايا وما يصيبهم وما يلحق بهم من أذى وانتهاك لحقوقهم. ولعل «الكلمة» هنا لا تقل ثقلاً عن مدفعية تقصف أو قنابل تسقط على رؤوسهم، فما بالكم إذا جاءت من جهة انتدبت نفسها للدفاع عن حقوق الإنسان.

المسألة تتعلق بتقرير صدر عن منظمة العفو الدولية التي قالت دوتيلا روفيرا التي ترأست بعثة المنظمة إلى غزة لتقصي الحقائق «إن إسرائيل وحماس خرقتا القوانين الدولية لحقوق الإنسان»، رغم أنها أضافت أن إسرائيل استخدمت الفسفور الأبيض وأسلحة أخرى زودتها بها الولايات المتحدة في ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك جرائم حرب». وأردفت المنظمة أن حماس والجماعات الفلسطينية الأخرى بإطلاقها الصواريخ ارتكبت أيضاً جريمة حرب.

ثم قام مالكولم سمارت، مدير منظمة العفو الدولية، بنشر تقرير دعا فيه إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى تعليق واشنطن مساعدتها العسكرية إلى إسرائيل، باعتبارها تقوم بارتكاب جرائم حرب، وأشار التقرير إلى أن أكثر من 20 دولة باعت إسرائيل أسلحة وذخائر استخدمت أثناء عمليات «الرصاص المسكوب» بما يشكل جرائم حرب، وبما يحقق انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي، وأن الولايات المتحدة تتربع على قمة قائمة موردي السلاح إلى إسرائيل، ومعها فرنسا ورومانيا والبوسنة وصربيا أيضاً.

ويتضمن التقرير الذي هو تحت عنوان «إشعال النزاع: إمدادات السلاح الأجنبية إلى إسرائيل وغزة»، تفصيلات عن مبيعات السلاح بين العامين 2004-2007 واستخداماته ضد المدنيين، لاسيما خلال اجتياحها غزة، ووصلت قيمتها إلى 8.3 بليون دولار أميركي، ناهيكم عن مساعدات ومعونات بلغت 21 مليون دولار، وأن 10 بلايين دولار كانت للأعمال العسكرية والأمنية. وأوصت المنظمة بتجميد بيع السلاح، لما يشكّل استخدامه من انتهاك خطير للقانون الدولي الإنساني والاعتداء على حقوق الإنسان.

قد يكون الأمر إلى هذا الحد هو تحصيل حاصل لكشف أبعاد انتهاك القانون الدولي الإنساني من جانب الطرف المعتدي، المحتل، الدولة العبرية، ضد شعب أعزل وإمكانات مقاومة بسيطة، لكن التقرير لا يتوقّف عند إسرائيل، بل يمتد ليتّهم حماس والمجموعات الفلسطينية الأخرى باستخدام الأسلحة دون تمييز ضد المدنيين. ويذهب التقرير إلى ما هو أبعد من ذلك، بتأكيد أن إمدادات السلاح مصنوعة في إيران وروسيا، ويطالب بوقفها أيضاً.

ورغم النقاط الإيجابية المهمة في تقرير منظمة العفو الدولية، لاسيما بإدانة إسرائيل، إلاّ أن المنظمة في الوقت نفسه وضعت الجلاد والضحية في كفة ميزان واحدة، فالطرف الأول دولة محتلة ومعتدية وتتنكر لقواعد القانون الدولي منذ تأسيسها قبل ستة عقود ونيف وحتى الآن، والطرف الثاني شعب أعزل مهضوم الحقوق ويعاني من انتهاك لكامل حقوقه الإنسانية، لاسيما حقه في تقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس، طبقا للشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن الدولي، خصوصاً القرار 242 العام 1967 و338 العام 1973. فهل المنظمة لا تفرّق بين ممارسة العدوان وانتهاك حقوق الإنسان الجماعية والفردية وارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، وبين الحق في المقاومة الذي يكفله القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والشرعية الدولية لحقوق الإنسان ذاتها، واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977؟!

إن الحق في المقاومة يعطي للشعب المحتل استخدام جميع الوسائل المشروعة، السلمية والعنفية، للتصدي للعدوان، الأمر الذي قد يحدث معه سياقات قد تلحق بعض الأضرار بالمدنيين، وهي ناجمة عن أي صدام مسلح، لاسيما إذا لم يكن متعمّداً ومقصوداً مثلما تقوم به إسرائيل بما فيه قصفها للسكان المدنيين ولمقرات المنظمات الدولية والإعلامية والمستشفيات والمدارس ودور العبادة وغيرها، المحرمة دولياً، علماً أنها دولة، وتمتلك سلاحاً جوياً وبحرياً وأسلحة ثقيلة، في حين لا تمتلك المقاومة سوى أسلحة بسيطة تدافع بها عن نفسها، الأمر الذي سيكون بدونها يعني الاستسلام في كلا الحالين: فإما للموت الإسرائيلي المحتم، أو رفع راية الاستسلام السياسي طبقاً للمشروع الإسرائيلي.

لقد لاحظت منذ سنوات أن الكثير من المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، لاسيما في الموضوع الفلسطيني، حتى وإن اتخذت موقفاً إيجابياً ضد عدوان إسرائيل، يعود ويلقي بعض اللائمة على الفلسطينيين والعرب، ويتناسى السبب الحقيقي لنشوب الصراع، ألا وهو الاحتلال واستمرار العدوان والتنكر لمبادئ القانون الدولي والعدالة الدولية، ولعل في ذلك سعيا للتوازن في مسألة غير متوازنة، بين ضحية وجلاد، أو مجاملة في غير محلّها بين مرتكب ومجني عليه، وليس من باب نظرية المؤامرة، فهناك ضغوطاً من داخلها وخارجها، منظورة وغير منظورة، ولهذا تريد أن تتوازن، الأمر الذي يدفعها إلى موقف غير متوازن. ولعل الخشية التي تضعها بعض المنظمات لنفسها هي، كي لا تُتهم بالانحياز أو معاداة السامية، فتتخذ مثل هذه المواقف التي تضعف من صدقيتها أو تقلل من دورها وثقلها، لاسيما في العالم العربي المظنون بانتهاكاته السافرة لحقوق الإنسان، ويدافع حكّامه عن ذلك بردّهم باتهامات المنظمات الدولية بالانحياز إلى أعدائها، وهو كلام «حق» يراد به باطل أحياناً. ولا أريد هنا أن أتخذ موقفاً يقوم على ازدواجية المعايير، كما تفعل الحكومات التي تبتهج حين يتهم خصومها بانتهاك حقوق الإنسان من جانب منظمة العفو الدولية، وتقوم بنشر تقاريرها، وتحجم وتتبرم وتزبد وترعد حين يتم اتهامها هي بانتهاك حقوق الإنسان.

وأعترف هنا من خلال عملي الطويل وخبرتي في هذا الميدان، أن منظمة العفو الدولية كانت الأكثر استقلالية ونزاهة وصدقية، رغم بعض النواقص والثغرات المتعلقة بالقضية الفلسطينية للأسباب التي أجملتها، وأتذكر أن موقفها كان أكثر اعتدالاً من الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان ومنظمات مراقبة الشرق الأوسط في مؤتمر ديربن (جنوب إفريقيا)، الذي أدان الممارسات الإسرائيلية واتهمها بالعنصرية العام 2001، وذلك بحشد جماعي لنحو 3000 منظمة عالمية، لكن منظمة العفو الدولية انساقت مع المنظمتين المذكورتين باتخاذ موقف خاص، حاول أن يلقي بعض اللوم على الفلسطينيين، وهو الأمر الذي أصبح ظاهرة متميزة في العمل الدولي، لاسيما في الموقف من إدانة إسرائيل ومن الذين يدعون إلى ذلك، وللأسف فإن بعض النشطاء ولأسباب مصلحية وذاتية يغضّون الطرف عن ذلك، الأمر الذي تستغلّه الحكومات وبعض الحركات المتطرفة للنيل من حركة حقوق الإنسان والتشكيك بأجندتها عن عمد أو جهل أو بسبب أخطاء ومواقف البعض!
ولا بدّ هنا من التفريق بين المحتل والشعب الواقع تحت الاحتلال، الأمر الذي لا ينبغي التعامل معه بصورة شكلية وبموجب منطق سطحي، لاسيما المساواة بين جريمة قائمة ومستمرة وتتمثل بانتهاك كامل منظومة حقوق الإنسان ولاسيما بالاحتلال، وبين ردود فعل متقطعة واستثنائية هي جزء من سياقات أي عمل عنفي، حتى وإن كان مشروعاً كمقاومة للاحتلال قد ينجم عنه تعريض بعض المدنيين للانتهاك أو للعنف. والأمر ليس تبريراً، فأي انتهاك لحقوق المدنيين خارج دائرة الصراع أمر غير مقبول وينبغي قوله علناً وإدانته، لاسيما إذا كان متعمداً، ولكن لا ينبغي نسيان أو التخفيف من مسؤولية الفاعل الحقيقي الذي قام بالاحتلال وشرّد شعباً تاريخياً عريقاً من أرضه واستمر في العدوان عليه طيلة ما يزيد عن ستة عقود من الزمان، خلافاً للقانون الدولي.
لعلها كلمات عتب مملح من صديق وعضو قديم في منظمة العفو الدولية، عسى أن تدرك خطورة ذلك على مستقبلها وعلاقتها مع العالم العربي.

 




شارك هذه الصفحة: