تلاقي القانون الإنساني وقانون حقوق الإنسان: مدخل عملي إلى القضاء الجنائي الدولي

شبلي ملاط

حتى العقدين الأخيرين كان القانون الإنساني الدولي يتمثل في مجموعة من الإتفاقات الدولية المنحدرة أولاً من شرعة الحرب  jus in bello  وثانياً من إعلانات حقوق الإنسان والمواثيق المرتبطة بها.

أما الإتفاقات الدولية الخاصة بالحرب فأهمها سلسلة إتفاقات لاهاي  لاسيما لسنة 1907، وإتفاقات جنيف لسنة 1949. تمثل الأولى الضوابط التي اتفقت عليها دول على وشك الغرق في حروب كانت قد عاشت بوادرها في المواجهات المُمَكْننة الفتاكة في القرن التاسع عشر، فأقرَّت اتفاقات لاهاي تحسُّباً للأسوأ، وجاء الأسوأ في الحرب العالمية الأولى؛ كما جاءت سلسلة الإتفاقيات الثانية، لا سيما اتفاقيات جنيف وملحقاها المعروفان ببروتوكولات 1977، لمعالجة خلل حروب سابقة أهمها الحرب العالمية الثانية. فصارت هذه المجموعة معروفة في تبويب القانون الدولي بالقانون الدولي الإنساني International humanitarian law مقابل مجموعة ما يسمى بالقانون الدولي لحقوق الإنسان law International human rights . وهذه المجموعة الثانية شملت العديد من الإعلانات ومواثيق حقوق الإنسان، أهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته منظومة الأمم المتحدة في 15 ديسمبر / كانون الأول 1948، والعهدان الدوليان الخاصان بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أضيفت إليها في المراحل التالية إتفاقيات متخصصة، منها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة سنة 1979 واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة  سنة 1984.

وجاء إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، إثر معاهدة روما سنة 1998 ، ثمرة جهود جبارة بعد إنشاء محكمتين جنائيتين خاصتين ليوغسلافيا السابقة ورواندا، والتقى رافدا القانون الدولي، أي القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان الدولي، في مؤسسة جمعت بينهما بما كان ناقصاً في الفضاء الدولي منذ غابر التاريخ. هذا النقص هو القضاء القادر على معاقبة المسؤولين عن انتهاكات المواثيق المختلفة من قبل أشخاص هم عامةً مسؤولون رسميون - من قادة سياسين أو عسكرين وحتى الجنود و المقاتلين الذين يتعدون على قوانين الحرب - تمّت إدانتهم لاقتراف الجرائم الكبرى التي تنص عليها معاهدة روما وهي تحديداً أربعة:

1- جرائم الحرب: وهي التي تنتهك القانون الدولي الإنساني أي معاهدات لاهاي وجنيف.

2- الجرائم ضد الإنسانية: وهي محددة بفظاعتها حجماً وتنفيذاً ، بالخصوص إذا استهدفت المدنيين العزل عمداً.

3- جرائم الإبادة : المحددة في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لسنة 1948.

4- جريمة العدوان أو الإعتداء Aggression : وهي لا تزال غير مفصلة لعدم اتفاق المؤتمرين في روما على معناها الدقيق جنائياً.

وبهذا اللقاء ما بين القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان الدولي في إطار قضاء جنائي فعّال، صار للقانون في المجموعتين أنياب تارة يكشّر عنها القضاء، وتارةً يتخلّف فيها عن أية فعالية لعوائق على جانب من التعقيد الناتج من عوامل مختلفة.

أهم هذه العوائق اختصاص القضاء، أو بالأحرى النقص في اختصاص القضاء. من المعلوم أنه في الحقل الداخلي تُعاقب الجرائم قضائياً في أية دولة. لا دولة في العالم يمكن أن تقوم بغياب مثل هذه المعاقبة، مع التفاوت طبعاً بين البلدان بحسب خصوصية نظامها الجنائي، وشجاعة قضاتها، واستقلالهم، ومدى عراقة واستقرار النظام القانوني عموماً والقضائي بشكل خاص. بالمقابل يصطدم القضاء الدولي بحداثة عهده، فبعد بدايةٍ إبان الحرب العالمية الثانية تمثلت بمحاكمات نورمبرغ وطوكيو، غابت المؤسسات الجنائية القضائية بالتمام دولياً حتى استحداث المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة سنة 1993. ومنذ قيام تلك المحكمة، صعد التيار العالمي الرافض لإفلات المسؤولين عن العقاب حيال جرائم تصدم المجتمع الدولي وضمير الإنسانية جمعاء، من مجازر روندا إلى الانفجار الذي طال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عام 2005. وبدأت هذه المحاكم تتعدد وتختلف، وأغلبها يتم إنشاؤها في صرح الأمم المتحدة، وأهمها إلى اليوم المحكمة الجنائية الدولية.

إلا أن القضاء لا يزال متعثراً ومحدوداً بطبيعة اختصاصه، فقد ضاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية الزمني بمنعها عن النظر في الجرائم السابقة لصيف سنة 2002، كما أن هذا الإختصاص مضيق عليه بسبب رفض الدول إقرار الإتفاقية، بما فيها بعض الدول ممن اشترك في مؤتمر روما، وعلى رأسها الولايات المتحدة، والصين، وإسرائيل ومجمل الدول العربية. فقط الأردن أقرّ الإتفاقية في منطقة الشرق الأوسط، ومن المعروف أن عدداً واسعاً للانتهاكات الفظّة تميّز هذه المنطقة في العقود القريبة في القانون الإنساني الدولي كما في قانون حقوق الإنسان الدولي.

ورغم هذه الصعوبات المانعة لاختصاص المحاكم الجنائية الدولية، فإن طلب العدالة من الضحايا كان ضاغطاً بما أدى إلى مقاربات جديدة في عدد من البلدان. هذا حصل مؤخراً بالنسبة للسودان عن طريق المحكمة الجنائية الدولية نفسها، إذ أعلنت اختصاصها عملاً بإحالة لها من مجلس الأمن رغم رفض السودان التوقيع على معاهدة روما، فصدر سنة 2007 قرار اتهامي بحق قياديين حكوميين بارزين تبعهما قرار اتهامي من المدعي العام ضد الرئيس السوداني عمر البشير ثبتته سنة 2009 الهيئة القضائية الناظرة في القضية.

والقرار الذي طال قمة الهرم السوداني لم يكن وحيداً في هذا المجال، إذ في أربع حالات على الأقلّ في منطقة الشرق الأوسط، تحركت ملفات قضائية في الجرائم التي ضلع فيها مسؤولون رسميون بطلب من الضحايا الذين يتهمونهم بالنيل من أحبابهم وعوائلهم، نقدم كل قضية فيها على حدة لخصوصيتها ولرسم التنوع العملي الكبير المرافق لها.

 

اسرائيل. أولى الحالات وأصعبها حالة إسرائيل-فلسطين، وقد أفلت الحكام الإسرائيليون من العقاب منذ إنشاء الدولة سنة 1948 جرّاء فظائع أصبحت ثابتة في توثيق المؤرخين الإسرائيليين أنفسهم. وقد ارتبط التاريخ الإسرائيلي بسلسلة من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كانت إحدى محطاتها القضائية الدعوى المقامة من ثمانية وعشرين عائلة من ذوي ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا سنة 1982 على أساس قانون سُنّ في بلجيكا لمرافقة صعود القانون الجنائي الدولي، وعرف بقانون الإختصاص العالمي. وفي سابقة مزدوجة في حقل القانون الجنائي الدولي، حكمت محكمة التمييز البلجيكية، وهي أعلى هيئة قضائية في بلجيكا، لصالح الضحايا في قرار صدر في 12 شباط (فبراير) 2003، أدى إلى سحب إسرائيل سفيرها من بروكسل، إلا أن ضغطاً حكومياً أميركياً هائلاً على الحكومة البلجيكية أدى إلى تغيير رجعي لقانون الإختصاص الدولي بهدف إجهاض الدعوى. ولئن بقي ضحايا صبرا وشاتيلا بلا تعويض ولا معاقبة قضائية للمسؤولين الإسرائيليين واللبنانيين عن المجزرة حتى اليوم، إلا أن السابقة جعلت الحكام في اسرائيل، ولا سيما القياديين العسكريين، في خشية مستمرة من السفر، فيما توسعت حلقة القانون الجنائي الدولي إلى اختصاص للمحاكم الوطنية على درجات مختلفة وفي منظومة لا تزال تبحث عن توازن مع نظيراتها الدولية.

العراق. يبدو العراق حالةً خاصة لغياب القضاء الدولي أصلاً في الظاهر. لكن تحرك ضحايا النظام السابق كان مؤثراً جداً في عزل حكومة صدام حسين حتى اجتياح سنة 2003، وإن فشلوا في استحداث محكمة دولية نظير محكمتي يوغوسلافيا وروندا. وكانوا قد لجأوا في حالتين بارزتين إلى القضاء الوطني لملاحقة المسؤولين العراقيين، في النمسا وفي بلجيكا، كانت نتيجتها في الحالة الأولى هرب المتهم عزّت ابراهيم الدوري إثر زيارة لفيينا عام 1999، وفي الحالة الثانية تعثر ملازم لتعثّر الدعوى ضد شارون، إلا أن تغيير القانون واجتياح سنة 2003 نقل الملفات العديدة إلى الداخل، فنظرت بها محكمة وطنية صرفة لا تزال قائمة، وأشهر قراراتها إعدام الرئيس العراقي السابق أواخر سنة 2006 والقرارات الصادرة في آذار 2009 بحق عدد من المسؤولين الكبار.

لبنان وسوريا. وفي لبنان أخذ منحى مطالبة الناس بالحقيقة في تظاهرات ضخمة في شوارع بيروت ربيع سنة 2005 إلى إنشاء المحكمة الخاصة للبنان في قرار من مجلس الأمن سنة 2007، وبارتباط بالتحقيق الدولي، على ما يبدو، تمّ اعتقال مسؤولين لبنانيين حُبس أربعة منهم إلى اليوم، وإلى طلب تسليم مسؤولين سوريين كشف التحقيق عن ضلوعهم في الجريمة. والمحكمة الخاصة بلبنان مختلطة، أي تضم قضاة دوليين كما قضاة لبنانيين، إلا أن ميزتها الدولية طاغية من ناحية إنشائها لجهة وجود مقرها في لاهاي والأغلبية الدولية لطاقمها.

ليبيا. وفي قرار لافت للمحقق العدلي سنة 2008، ألقي الإتهام على القائد الليبي معمّر القذافي وعدد من المسؤولين عن اختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه في طرابلس الغرب عام 1978، إثر دعوى أقامتها عوائل المخطوفين أمام القضاء اللبناني عام 2001. وبهذا القرار، وتداعياته اللبنانية والدولية، بات عدد من المسؤولين الكبار في المنطقة تحت مجهر قضائي كان غائباً عنهم في العقد الماضي؛ والتنوع المرافق للعدالة الدولية يظهر صعوبة التحرك كما الآمال المبنية على القضاء في مداه الدولي رغم ازدواج المعايير وتردُّد من الأرجح أن يرافق توق العالم إلى العدالة الشاملة حتى نهاية القرن الحادي والعشرين.

 




شارك هذه الصفحة: