الفلسطينيون و"حقوق الإنسان": الحيادية المستحيلة

د. عاصم خليل

 

جامعة بيرزيت

 

تدعي هذه الورقة بأن تطور مفهوم حقوق الإنسان منذ الحرب العالمية الثانية من جهة وواقع الإنتهاكات لحقوق الإنسان الفلسطيني من جهة أخرى تجعل من المستحيل على الفلسطينيين النظر إلى حقوق الإنسان على أن لها قيمة موضوعية وحيادية بل يتم دمجها لا محالة ضمن منظومة عالمية من مؤسسات وآليات وقوانين تقوم على المصالح أولاً والقوة ثانياً، وهي منظومة تعود جذورها إلى قديم العصور إلا أنها تبلورت بشكلها الحالي بعد الحرب العالمية الثانية. إلا أن حال الفلسطينيين سار باتجاه معاكس، حيث عايشوا النكبة والنكسة، وتجاوزوا مجازر صبرا وشتيلا فلقيتهم مجازر مخيم جنين وقطاع غزة. خصوصية الفلسطينيين هذه تُلقي بظلالها القاتمة على الصورة الوردية التي تُرسم أحياناً للقانون الدولي والقوانين المحلية في الدول المعاصرة.

إن خصوصية الحالة الفلسطينية هذه في التعامل مع حقوق الإنسان لا تنكر صفة الشمولية عليها ولا تضع الفلسطينيين يمنأى عن الإرث العالمي والذي يتفق بشكل عام على مكانة وأهمية حقوق الإنسان ومركزيتها في النظام العالمي الذي تلى الحرب العالمية الثانية وفي الفلسفة التي تقوم عليه الدول المعاصرة إلا أنها تضع الفلسطينيين العاملين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان أو أولئك الذين يدرسّونها أو يتعلمونها في الجامعات الفلسطينية على المحك إذ أن حقوق الإنسان تشكل في الوقت ذاته تحدياً ودافعاً، حقاً طبيعياً مرتبطاً بالإنسان ولكنه مقيد من قبل الدولة، حقاً تكرسه الإعلانات والمعاهدات الدولية ويتم انتهاكه من قبل الدول نفسها يومياً.  

فالدول الحديثة التي تقوم على مفهوم السيادة المطلقة بدأت تخلي المكان لمفهوم مقيد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحقوق لصيقة بالإنسان ليست الدولة هي من أنشأتها ولكنها مع ذلك هي الوحيدة المخولة بالقيام، من خلال نصوص قانونية مختلفة وعلى رأسها الدستور، بضمان حمايتها من إمكانية تعسف الأفراد والجماعات بل ومن إمكانية تعسف الدولة نفسها؛ ويتم ذلك من خلال خلق آليات رقابة متبادلة وتوازن بين سلطات الدولة المختلفة. إلا أن الحرب العالمية الثانية كانت نقطة الحضيض من حيث الإنتهاكات الممنهجة والمنظمة لحقوق الإنسان الأساسية ولكن نقطة "اللا-حق" هذه شكلت في الوقت ذاته نقطة إنطلاق وتحول على مستوى القانون الدولي من جهة والقوانين المحلية من جهة أخرى. والحالة الفلسطينية تعكس في الوقت ذاته التوجه العام من حيث كونها انعكاساً للرغبة الدولية المتزايدة بالتعامل مع نتائج إنتهاكات حقوق الإنسان التي تمت في الحرب العالمية الثانية ولكنها في الوقت ذاته تشكل المساحة المظلمة التي ما زالت تتم فيها إنتهاكات يومية لحقوق الإنسان، كفرد وكجماعة.

1) الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة

تقوم الدولة الحديثة على مفهوم السيادة، حيث لا تعترف بسلطة أخرى، خارج إطار سلطتها، على إقليمها وشعبها. في الوقت الذي يفترض هذا قبولاً بعدم امتداد صلاحياتها وسلطاتها خارج نطاق ولايتها لوجود مثيلات لها تتعامل معها في إطار علاقات دولية تقوم على مبدأ المساواة بين الدول بغض النظر عن الإختلافات المادية المتواجدة بينها. يشكل هذا المفهوم الحديث (أي السيادة) نقطة الوصول والإنطلاق بالنسبة للدولة؛ فهو يأتي كنتيجة لأمر واقع يعكس همينة وسيطرة منظمة ولكنه في الوقت ذاته يبرر ويؤسس لقيام شرعية تسمح لهذه السلطة بأن تبقى وتدوم، ليس بحكم هيمنتها (شرعية القوة) ولكن بحكم قدرتها على مأسسة القوة في آليات ومؤسسات قادرة على تسيير شؤون الدولة وقبول المحكومين بها (قوة الشرعية). هذه المركزية للسيادة في الأنظمة القانونية المحلية وفي النظام القانوني الدولي هي التي تعطي للدولة مكانتها وأهميتها ودورها وزخمها وهو ما يبرر اهتمام الأفراد والجماعات بها وبوجودها وهو ما يفسر تطورها على حساب أشكال أخرى من الجماعات السياسية المنظمة التي عرفتها والتي يمكن أن تعرفها البشرية.

لكن الدولة الحديثة مرت بنقلة نوعية في القرن الثامن عشر مع ثورة المستعمرات الأمريكية على المملكة الأم والثورة الفرنسية على النظام القديم. ثورة لا يمكن قياس أهميها من حيث العنف الذي رافقها والإنتصارات التي حققتها بل من حيث الأفكار التي قامت عليها والتي طبقتها لأول مرة. فالدولة الحديثة بعد الثورة لا تقوم على إرادة الحاكم بل على رضى المحكومين والذي يُعبر عنه بأسمى درجاته عن طريق القانون.

فمن سيادة الأمة التي اكتسبت كياناً خيالياً ضرورياً لتبرير قيام الدولة بالسيطرة والهيمنة والحكم وتفسير التناقضات الممكنة والطبيعية بين إرادة الأفراد وإرادة الجماعة إلى مفهوم سيادة الشعب الذي أصبح يعني مشاركة فعلية وحقيقية وليس فقط رمزية وخيالية لجميع الأفراد بما لا يسمح بقيام مجموعة ما بتشكيل "طبقة أرستوقراطية" تدعي تمثل الإرادة العامة لدرجة أنها تصبح منفصلة عن "عامة الشعب" الذي لا يعي مصالحه بالضرورة، وتعبر عن إرادة قد تختلف عن إرادة الأفراد أنفسهم بغض النظر عن مشاركة هؤلاء أو عدم مشاركتهم في عملية اختيارهم. والدولة، بصفتها التجمع السياسي الأكثر تنظيماً وتعقيداً وشمولية، تدعي تمثيل هذه الإرادة فيها ومن خلال مؤسساتها، وهو ما أدى إلى التحول إلى مفهوم "السيادة في الدولة" حيث يتم التعبير عن هذه الإرادة العامة فقط من خلال مؤسسات الدولة أي من خلال سلطات تضع القواعد القانونية وتنفذها وتراقب هذه العملية.

إن الدولة القانونية، وليدة الثورة الفرنسية، ودولة القانون التي تطورت في الفقه الألماني في القرن التاسع عشر، تتفقان من حيث ضرورة تسيير شؤون الحكم بموجب القانون، وهي من الأساسيات التي تقوم عليها الديمقراطيات المعاصرة. إلا أن الدولة القانونية لا تعترف بإمكانية تحديد الإرادة العامة، كما يقررها ممثلو الشعب. بعكس ذلك كرست دولة القانون لمفهوم سمو الدستور الذي احتل قمة الهرم القانوني، ويعترف بإمكانية وجود تحديدات على المشرع أيضاً، وهو بالتالي يقبل بوجود رقابة على ما يصدر من قبل المشرع. إلا أن سمو الدستور هذا يبقى حبراً على ورق إذا ما بقي دون رقابة على دستورية ما يصدر عن المشرع العادي الذي قد يتعدى على الدستور بل ويتجاوز ما ورد فيه، فيتحول القانون إلى وسيلة لهيمنة الدولة وبطشها وفرض جبروتها بدل أن يكون آلية لتقييدها في ممارسة سلطاتها.

صحيح أن معظم الدساتير تحتوي على لائحة من الحقوق والحريات العامة. إلا إن الدولة -في الحالتين، الدولة القانونية ودولة القانون- فسرت وجودها ضمن الدستور على أنه تعبير عن حقيقة مفادها أن الدولة هي التي تقرر هذه الحقوق والحريات وهي أيضاً التي تحرسها. مما قد يؤدي (وهو ما حدث بالفعل) إلى نتائج عكسية حيث أن الدولة في الحالتين ستعتبر نفسها مصدر هذه الحقوق وبالتالي ستدعي حقها بسحبها بنفس طريقة التي تم فيها وضعها فيتحول حقها بتنظيم الحقوق والحريات إلى حق منحها للأفراد أو حرمانهم منها. لهذا فأن التحول الحقيقي ليس في إشارة الدساتير لحقوق الإنسان وحرياته بل في تحويل النصوص الموجودة بالدستور والمتعلقة بالحقوق والحريات العامة إلى إلتزامات قانونية أمام المشرع أيضاً أي في إعطاء مكانة دستورية لحقوق الإنسان وفرض احترامها على المشرع. فبالرغم من وجود بوادر لهذه الرقابة على دستورية القوانين، إلا إنها لم تكن تعني على الإطلاق إمكانية إلزام المشرع بإطار عام من الحقوق والحريات التي لا يمكنه تجاوزها إذ أن القيمة القانونية لم تكن دائماً واضحة أو حتى متفق عليها.

2) أثر الحرب العالمية الثانية على حقوق الإنسان

إن ما تدعيه هذه الورقة هو أن هناك تحول من مفهوم للدولة يقوم على ضرورة حماية الدولة من الأفراد والجماعات (الدولة تستعمل القانون لتحمي نفسها وتعزز من سلطاتها وقوتها) وحمايتها لهم من أقرانهم (الدولة هي الحكم بين المصالح المتناقضة والمتنافرة) إلى مفهوم جديد يقوم على ضرورة حماية الأفراد من الدولة. وقد تم هذا التحول بشكل أساسي ليس بموجب الأفكار التي قامت عليها الثورة الفرنسية والأمريكية، ولا حتى في التطور الفقهي الذي قامت عليه دولة القانون كما في الفقه الألماني بل كما تطورت منذ النصف الثاني من القرن العشرين، أي بتلك الحقبة التي تبعت الحرب العالمية الثانية وما تبعها من وعي بما نتج عنها من ويلات وبضرورة احترام وتعزيز حقوق الإنسان من إمكانية تعسف الدولة وسلطاتها وأجهزتها.

وهي الفترة التي لاقت فيها فكرة كلسن والخبرة النمساوية (لعام 1920) رواجاً حيث انتشرت ظاهرة وجود محكمة خاصة تمارس الرقابة (المركزية) على دستورية القوانين ولكن هذه الهيئات ممكنة التدخل (حتى بناء على طلب من الأفراد أو حتى الأشخاص المعنويين) لمنع انتهاك حق من حقوق الإنسان الأساسية وهو نوع من الرقابة أساسها بالضرورة التطورات السابق ذكرها والمبادئ التي قامت عليه الدولة القانونية ودولة القانون ولكنها أقرب إلى مهام المحكمة الدستورية الفدرالية الألمانية والإيطالية منها إلى المجلس الدستوري الفرنسي أو المحكمة العليا الأمريكية. وفي هذا دلالة كبيرة، فهي تحذو حذو إيطاليا وإلمانيا بعد الفاشية والنازية وليس فرنسا والولايات المتحدة بعد ثوراتها. وهي أيضاً الفترة التي اجتهدت فيها الهيئات التقليدية المخولة بالرقابة على دستورية القوانين، بتفسير جديد لنصوص دستورية قديمة، تعاملت مع الحقوق التي احتوتها ليس على أنها إطار سياسي يترك للدولة حرية التحرك من خلاله، أو حتى خارج إطاره، بل تتحول إلى إلتزامات قانونية على الدولة، سواء عند وضعها للتشريع أو عند تنفيذه من قبل أجهزة الدولة الإدارية والقضائية. 

هذا يعني بأنه لا توجد حجة لتلك الدول التي لم تعرف أنظمتها ثورات شبيهة بالثورة الفرنسية والأمريكية أو تلك التي لم تشارك الإرث الفلسفي الفقهي الذي قامت عليها الأنظمة الغربية، بأن حماية حقوق الإنسان وحرياتهم لا تشكل جزءاً من الإرث السياسي والقانوني والإجتماع يالذي تقوم عليه دولهم وثقافاتهم، لأنه، وببساطة هذا لا يعتمد على تطور فقهي-فلسفي ولا على فصل بين السلطات على الطريقة الغربية بل على تطور طرأ على القانون الدولي من جهة وعلى القوانين المحلية من جهة أخرى: نقطة التماس هذه، كانت حقوق الإنسان الأساسية التي تم انتهاكها في الحرب العالمية الثانية. وحقوق الإنسان هذه هي في الوقت ذاته نقطة الإنطلاق والتحول للقانون المحلي عن طريق خلق رقابة على الدولة نفسها تجد شرعيتها في الفرد؛ أما في القانون الدولي فهو ينعكس في ثلاث ظواهر مختلفة: تزايد حركة تقنين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، تطور إجراءات الحماية لحقوق الإنسان التعاقدية وغير التعاقدية، وتطور مفهوم المسؤولية الجنائية الدولية.

فقد شهد القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية ظاهرة جريئة من حيث تزايد وتسارع تقنين القانون الدولي لحقوق الإنسان ابتداءاً من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي تم التوصل إليه بالرغم من الإختلافات البارزة التي كانت تفرق بين النظام الرأسمالي القائم في الديمقراطية الغربية والنظام الإشتراكي. ولكنه أيضاً يرتبط في ميثاق الأمم المتحدة نفسه من مبادئ تنظم عملها وتحكم علاقة الدول فيما بينها والذي يركز على أساس حماية الأقليات من إمكانية الاضطهاد من قبل الأكثرية وتزويد جميع الأفراد بالحاجات الأساسية الضرورية للحياة، وتعزيز حق تقرير المصير وتحقيق الحكم الذاتي للشعوب، بالإضافة للحد من استعمال القوة في العلاقات الدولية، وأخيرا تعزيز الحريات الاقتصادية التي يتوقف عليها السلام والازدهار. وقد تم تبني العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 اللذان وضعا نموذجا للديمقراطية والرفاهية التي يحتاجها الأفراد، فالحقوق الاقتصادية والاجتماعية ملاصقة لتلك الحقوق المدنية والسياسية، بحيث لا تتحقق الأولى إلا في ظل ضمان تحقيق الثانية في المجتمعات. في الوقت الذي تم فيه تبني إتفاقيات جنيف الأربعة وفي مراحل لاحقة الملحقين الإضافيين. وجميعها لاقت رواجاً شديداً بين الدول. وقد تم تقنين الكثير من الإتفاقيات الدولية التي تعنى بحقوق جماعات مهمشة أو ضعيفة أخرى. 

تتميز آليات الحماية لحقوق الإنسان بأنها الحلقة الضعيفة في السلسلة المتماسكة والمترابطة والمتكاملة للمعاهدات الدولية التي تشكل القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. إلا أن هناك بعض المؤشرات الإيجابية، ترتكز بالأساس على إرادة الدول ولكنها تتجاوز ذلك عن طريق خلق آليات حماية مستقلة. وهو ما تم تطوريها في أوروبا بالإستناد إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لعام 1950 بإنشاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والتي يمكن أن تنتشر على مستوى الأقاليم الأخرى وإن بصلاحيات متفاوتة. في الوقت الذي نمت فيه وبشكل متزايد الدور الذي تلعبه الإجراءات الخاصة وهي من بين الإجراءات غير التعاقدية والمكانة التي احتلتها لجنة حقوق الإنسان وحالياً مجلس حقوق الإنسان في متابعة وضع حقوق الإنسان في جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

إلا أن التطور "الأخطر" (من حيث أثره على سيادة الدول) هو التطور الذي طرأ على مفهوم المسؤولية الجنائية الدولية وحتى نشأة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بعد دخول نظام روما لعام 1998 حيز التنفيذ (عام 2002) وهو تطور يجد أساساته في محاكمة مجرمي الحرب النازيين (محكمة نورمبرغ) وقد تطورت بشكل ملحوظ نتيجة المحاكم الخاصة التي تم إنشائها بخصوص رواندا ويوغسلافيا السابقة، وهي تؤسس لحماية مباشرة للإفراد (وإن فقط محدودة بالجرائم الأكثر خطورة وشدة) ولا تعفي أي رجل دولة من مسؤوليته باسم حصانة تمنحه له مكانته وسلطته.

 

3) الحالة الفلسطينية

شكل قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 والصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة "نهاية سعيدة" (بالنسبة للصهيونة) لمسيرة أقدم بدأت في أوروبا منذ نهاية القرن التاسع عشر مفادها أن هناك ضرورة لإيجاد حل للقضية اليهودية عن طريق خلق وطن قومي لهم في فلسطين. قامت دولة إسرائيل، ليس بموجب قرار التقسيم بل بموجب سيطرتها بالقوة على جزء كبير من فلسطين التاريخية مباشرة بعد انسحاب قوات الإنتداب البريطانية وهو ما أدى إلى تهجير أكثر من نصف الفلسطينيين المقيمين في حينه فيما أصبح يدعى منذ ذلك الحين "دولة إسرائيل".

وفي عام 1967 سيطرت إسرائيل على ما تبقى من فلسطين التاريخية، وهي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، وهو ما تعتبره قرارات الأمم المتحدة "أرض فلسطينية محتلة". رافق الإحتلال عملية تهجير ثانية، أدت بالكثير من اللاجئين إلى النزوح مجدداً. قامت إسرائيل بضم القدس الشرقية وبدأت عملية ممنهجة للسيطرة على الأرض الفلسطينية دون سكانها وعاملت الفلسطينيين على أنهم مقيمين أجانب وإن كانوا على أرضهم. جرى كل ذلك وغيره من إنتهاكات جسيمة للقانون الدولي بالرغم من وجود قرارات صادرة عن هيئات أممية مختلفة لم يتم تنفيذها ولا توجد رغبة سياسية إلى الآن بذلك.

الإحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية هو بحد ذاته إنتهاك لحقوق الإنسان الأساسية، سواء تلك الفردية أو حتى الجماعية، وعلى رأسها حق تقرير المصير. وتوصيف الضفة الغربية وقطاع غزة منذ 1967 على أنها أراض محتلة يجعلها مرشحة لتطبيق القانون الدولي الإنسان والذي يقيد جزئياً الدولة المحتلة في صلاحياتها تجاه الإقليم والشعب المحتل دون أن يمنعها من إتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية قواتها ولتحقيق مصلحة السكان الأصليين. خلال فترة الإحتلال هذه والتي تستمر منذ عقود كان ما يقوم به الفلسطينيون من أعمال تهدف إلى تحرير فلسطين أولاً وبناء دولة لهم ولو على جزء صغير منها ثانياً يُصنف بالنسبة لإسرائيل على أنه إرهاب، وقد قامت بمحاربته باستعمال القوة المفرطة في كثير من الأحيان لا تتلائم مع حجم التهديد الذي يشكله أولئك المطالبين بالحرية من الإحتلال.

وقد قامت إسرائيل في الوقت ذاته باستعمال حجج مختلفة لإعفاء نفسها من التطبيق القانوني لاتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية وتنصلت من تطبيق إلتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان على فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد وضعت إسرائيل مجموعة متكاملة من المناشير والأوامر العسكرية والتي قامت من خلالها بفرض سيطرتها على الفلسطينيين في جميع نواحي حياتهم وهي تشمل تنقلهم الداخلي والخارجي وفرضت سيطرتها على مصادر الإنتاج والتموين وحركة البضائع والأشخاص، وقامت بتقييد الحريات وخاصة تلك المعبرة عن الهوية الفلسطينية لفترات طويلة، وقامت بمصادرة الأراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات.

في وسط هذا الخضم الهائل من الإنتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان والمتكررة على مدى عقود، يرى الفلسطينيون أنفسهم في صراع داخلي مرير قبل أن يدخلوا في صراع مع غيرهم؛ صراع يدور حول حقيقة مفادها بأنه، وبالرغم من كل ما سبق، يمكن لحقوق الإنسان أن تشكل قاعدة للمطالبة بتحقيق أهداف وطنية مشروعة وقيام وطن قومي لهم على أرضهم. هذه الحقيقة أساسها قناعة غير منطقية بأنه من عمق الهاوية فقط تنبت جذور الحرية. إن الخطر الرئيسي الذي يواجه الفلسطينيين حالياً، ليس بالضرورة مرتبط باستمرار الإنتهاكات لحقوقهم الأساسية، بل هو بفقدانهم للثقة بحقوق الإنسان، بشموليتها واستمرار إلزاميتها وسريانها، بغض النظر عن مدى التزام الطرف الآخر بها.

 




شارك هذه الصفحة: