حقوق الإنسان: اعتذار أم حالة إنكار؟

 

 

أحدث التقرير السنوي، الذي أصدرته منظمة العفو الدولية، في 28 أيار 2008، ضجة كبرى في الأوساط الحقوقية والسياسية الدولية، بما فيها منظمة الأمم المتحدة، وغير الرسمية لاسيما في إطار منظمات المجتمع المدني وجمعيات حقوق الإنسان، وخصوصاً انه يصدر بمناسبة الذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويغطي 150 دولة ويلقي ضوءاً كاشفا على الكثير من الإشكالات والمسائل العقدية ليس على صعيد العالم الثالث والبلدان النامية، التي تعاني هدر حقوق الإنسان والفقر والمديونية والتخلف والاستتباع، بل شمل التقرير انتقادات شديدة للدول الكبرى لاسيما المتنفذة منها وبالأخص الولايات المتحدة.
وطالبت منظمة العفو الدولية، زعماء العالم بتقديم اعتذار عن ستة عقود من الإخفاق، على صعيد حقوق الإنسان، وإعادة إلزام أنفسهم بتحقيق تقدّم ملموس، معربة عن عدم ارتياحها للحصيلة التي لا تبعث الكثير من السرور، معوّلة على بروز قادة جدد لاسيما في الدول الكبرى.
ورغم مرور ستين عاماً على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يعتبر الشجرة الوارفة التي أثمرت منها نحو مئة اتفاقية ومعاهدة دولية تشكّل أساس الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، إلاّ إن البشر ما زالوا يتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة في أكثر من 81 دولة ويواجهون المحاكمات الجائرة في 54 بلداً، وتحجب عنهم حرية التعبير في أكثر من 77 بلداً، وما زال 23 بلدا لديها قوانين للتمييز ضد المرأة و15 بلداً منها للتمييز ضد المهاجرين و14 بلداً على الأقل للتمييز ضد الأقليات، وهناك 45 بلداً يوجد فيها سجناء للرأي.
اللافت في تقرير منظمة العفو الدولية، هو أن المنظمة اتهمت الحكومات الكبرى بالتقصير وحضتها على تقديم "النموذج"، لاسيما الولايات المتحدة، وعرضت حصيلة مؤسفة لرئاسة جورج بوش، معلقة آمالها على رئيس جديد في ترميم "السلطة الأخلاقية" للولايات المتحدة، لاسيما بإغلاق معتقل غوانتانامو ونبذ استخدام التعذيب.
كما وجهت أصابع الاتهام إلى الدول الأوروبية، متهمة إياها بالتواطؤ فيما يتعلق بالرحلات السرية الطائرة التي نظمتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية (
CIA)لنقل معتقلين يشتبه بضلوعهم بالإرهاب، مؤكدة أن عليها وضع "معيار واحد لحقوق الإنسان" يمكن الاحتكام اليه، لا معايير مزدوجة! وأشارت إلى أنها كانت تفتقد إلى الإرادة السياسية بكشف الحقيقة بشأن تعاونها مع واشنطن، وان الهوة ما تزال قائمة بين الخطاب والواقع، وبين المعايير وتطبيقاتها وبين المبادئ والممارسات.
ووقفت المنظمة عند ضرورة أن تفي الصين بوعودها التي قطعتها بشأن الألعاب الاولمبية وأن تسمح بحرية الكلام وحرية الصحافة وتضع حداً "لإعادة التنفيذ عن طريق العمل"، وعلى روسيا أن تبدي درجة أكبر من التسامح إزاء المعارضة السياسية وان لا تسمح للبعض الإفلات من العقاب بشأن ما جرى في الشيشان، ولفتت إيرين خان الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، النظر إلى أن تقاعس قادة العالم ترتّب عليه تكلفة باهظة، وكما يبين العراق وأفغانستان فإن مشاكل حقوق الإنسان ليست مآسي معزولة، لكنها أشبه بالفيروسات التي يمكن أن تنقل العدوى وتنتشر انتشار النار في الهشيم فتعرضنا جميعاً للخطر.
إن ابرز ملامح الوضع الدولي فيما يتعلق بحقوق الإنسان بعد 60 عاماً هو استمرار تحكّم الدول العظمى بالأمم المتحدة، واعتمادها على معايير انتقائية وسياسات تمثّل أكثر من وجه، لا سيما إزاء البلدان النامية، ويعاني المجتمع الدولي من انعدام المساواة في الحقوق وغياب وضعف تطبيق مبادئ العدالة الدولية، ورغم التقدم الحاصل في هذا الميدان، بإبرام ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية عام 1998 ودخوله حيز التنفيذ عام 2002، إلاّ إن انسحاب الولايات المتحدة منه ومواقف روسيا والصين (السلبية)، يعتبر عنصراً معرقلاً للتطوّر في هذا الميدان، ولا شكّ أن انسحاب إسرائيل التي وقّعت على الميثاق، ولم تصدّق عليه يعني استمرار إنكارها لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، خصوصاً حقه في تقرير المصير وحق العودة وحق إقامته الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس طبقاً لمعايير الحد الأدنى التي أقرّتها الشرعية الدولية، وفي الوقت نفسه إن التهرّب من الالتزام بميثاق روما يعني التملّص من مساءلة الجنود الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة خصوصاً بشأن سياسات الاستيطان وانتهاك حقوق الانسان أو الأمريكان بشأن غزو واحتلال العراق وأفغانستان وما ترتب على ذلك من ارتكابات سافرة وصارخة.
ولا يزال الوضع الدولي يعاني من تأثيرات الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب، ورغم مشروعية القضاء على الإرهاب باعتباره آفة خطيرة وضرورة تجفيف منابعه وقطع مصادره وتمويله، إلاّ انه لا ينبغي تبرير أو تسويغ أي اعتداء على حقوق الإنسان وحرياته الأساسية تحت أي حجة أو ذريعة، أو استخدام وتوظيف قضية حقوق الانسان لحسابات أنانية ضيقة بما فيها فرض الحصار والاحتلال وتبرير فرض الهيمنة.
وإذا كان التقرير قد اتهم الحكومات الغربية بالعجز وتذبذب المواقف واستمرار النزاعات المستعصية وحالة انعدام المساواة، فانه اعتبر أن التهديد الأكبر لحقوق الإنسان هو غياب رؤية مشتركة وقيادة جماعية، الأمر الذي يتطلب اعتماد نموذج جديد للقيادة الجماعية يستند إلى المبادئ الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الانسان.
ويعاني المجتمع الدولي من التمييز لا سيما وان الفوارق الاجتماعية والطبقية كبيرة بين المحرومين والمتخومين، حيث يعيش أكثر من مليار وثلاثمئة مليون إنسان دون خط الفقر وبمدخول لا يزيد على دولار واحد في اليوم، الأمر الذي يتطلّب اتخاذ إجراءات فورية بشأن الوضع المأسوي الذي يعيشه مئات الملايين من الناس في البلدان النامية لاسيما بلدان الجنوب الفقيرة.
كما يعاني العالم من استهداف المدنيين خارج نطاق النزاع المسلح الدولي وغير الدولي خلافاً لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، ويستمر إفلات المرتكبين من العقاب لاسيما في ظل زوغان الشركات الأمنية من الخضوع للقانون والمساءلة على انتهاكات حقوق الإنسان، مثلما حصل إزاء ارتكابات شركة بلاك ووتر في العراق.
وتتفشى ظاهرة العنف ضد المرأة بجميع أشكاله الأسري وخلال العمل وفي إطار المجتمع والقانون، وتسود ظاهرة التعذيب وسوء المعاملة لاسيما خلال التحقيق وبهدف الحصول على المعلومات، ويتم قمع المعارضات وتستمر عمليات اغتيال الصحفيين والإعلاميين، ففي العراق وحده اغتيل أكثر من 200 صحفي وإعلامي وتبرز ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ويتم التجاوز على حقوق اللاجئين والمهجرين خلافا لاتفاقية العام 1951 حول حقوق اللاجئين وملحقها لعام 1967، ويموت العديد من طالبي اللجوء قبل وصولهم إلى بلدان اللجوء، كما يتعرضون إلى الإذلال لاسيما النساء والأطفال بعد وصولهم، وغالباً ما تنتهك حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وما زالت حقوق الأقليات الدينية واللغوية والقومية مهضومة ومنتهكة.
إن هذه الصورة المأسوية لا تعكس كامل المشهد، فثمة رصيد كبير تحقق خلال السنوات الستين على الصعيد القانوني والعملي في الكثير من البلدان التي تخلصت من أنظمة شمولية ومحافظة وانفتحت أمامها فرص حرية التعبير والتعددية وإجراء انتخابات حرة بعد أن عاشت سنوات طويلة بعيدة عن ذلك، ومن المظاهر الايجابية التي شهدت تطوراً ملحوظاً خلال ربع القرن الماضي هو وجود المجتمع المدني ونفوذه المتنامي على الصعيد العالمي، لاسيما في الهند وجنوب أفريقيا وفي آسيا وأميركا اللاتينية، وهذه المسألة لا يمكن بأي شكل من الأشكال إنكارها أو إهمالها أو تقليل شأنها. ولم يعد الاّ العدد القليل من بلدان العالم، التي ترفض فتح سجالاتها فيما يتعلق بحقوق الانسان، فلم يعد الصمت ممكناً وليس ثمة حالة إنكار الاّ لمن يريد المغامرة بمستقبله!!

عبد الحسين شعبان- كاتب وحقوقي عربي

نقلا عن صحيفة المستقبل - السبت 31 أيار 2008

 




شارك هذه الصفحة: