عزّة شرارة بيضون

بيار أبي صعب


«جرائم قتل النساء أمام القضاء اللبناني» عنوان بحث تطبيقي رصين، طويل النفس، دقيق المصطلحات، أنيق اللغة شفّافها، يستند إلى مفاهيم معرفيّة أساسيّة ومنهجيّة صارمة، ويصيب عمق البنية الذكوريّة للمجتمع اللبناني التي تتحكّم في آليات العدالة. في الدراسة التي أنجزت بدعم من «مؤسسة الصندوق العالمي للنساء»، وبالاشتراك مع منظمة «كفى عنفاً واستغلالاً» (
www.kafa.org.lb )، عادت عزّة شرارة بيضون إلى أرشيف جرائم الشرف في المحاكم اللبنانيّة (1999 ــــ 2007). قرأت، من «المنظور الجندري»، الوثائق المدوّنة لوقائع محاكمات النقض، لمتهمين بقتل نساء في نطاق الأسرة. وهذا المنظور، بتحديدها، «يرى إلى المرأة والرجل في مجتمعاتنا البطريركيّة بوصفهما أسيرين للمنمّطات والأدوار ومجالات العيش المفروضة عليهما».
من مسرح الجريمة إلى مسرح المحاكمة مضت المؤلّفة في دراسة حالات ونماذج مختلفة، لتكشف دور المحكمة المباشر وغير المباشر في تسويغ فعل القتل... فالعدالة متواطئة مع القيم الذكوريّة، وتنظر بعين الرأفة التخفيفية إلى القاتل، وبعين الشبهة والتجريم إلى الضحيّة. وإذا بالقارئ يخرج بأسئلة كثيرة: القضاء الذي يؤدّي دوراً أساسياً في «ترشيد المجتمعات الإنسانيّة»، إلى متى يبقى متسامحاً «مع الترتيبات الجندريّة الأبويّة»؟ ألم يحن وقت التشريع لمناهضة العنف ضد المرأة داخل الأسرة، وإعادة النظر بقوانين الأحوال الشخصيّة التي تسلّط الرجل على المرأة؟... إلى متى يبقى «مفهوم الشرف» متداولاً في المحاكم؟ وماذا تنتظر الدولة اللبنانيّة لإلغاء المادة 562 من قانون العقوبات التي تمنح «عذراً مخفّفاً» لمجرمي الشرف؟...
«لا الذكورة ثابتة ولا الأنوثة، بل تتغيّران باستمرار، إذ يقوم الأفراد بعمليّة تفاوض وصراع معهما...»، تذكّرنا بيضون التي تكتب بلغة نهضويّة بعيدة عن التعمية أو الانغلاق على نفسها، ولا تتعثر في المصطلحات المستوردة كما هي الحال في كتابات نظريّة كثيرة أخرى.


نقلا عن جريدة الأخبار

الجمعة ١٣ حزيران ٢٠٠٨

 




شارك هذه الصفحة: