لجنة فينوغراد تتغاضى عن جرائم الحرب الإسرائيلية

وصفت منظمة العفو الدولية التقرير الذي نشرته لجنة فينوغراد في يناير/ كانون الثاني 2008 حول سلوك إسرائيل في حربها مع حزب الله في يوليو/تموز – أغسطس/آب 2006 بأنه "مليء بالنواقص والأخطاء".

وقالت المنظمة إن التقرير امتنع عن تقصي جانب حاسم من جوانب الحرب – أي السياسات الحكومية والاستراتيجيات العسكرية التي لم تميِّز بين السكان اللبنانيين المدنيين ومقاتلي حزب الله، وبين الممتلكات والبنية التحتية المدنية والأهداف العسكرية.

وتعليقاً على ذلك، قال مالكولم سمارت، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية: "لقد فوتت إسرائيل فرصة أخرى لمعالجة السياسات والقرارات التي قامت عليها انتهاكاتها الجسيمة للقانون الإنساني الدولي – بما في ذلك ما ارتكبته القوات الإسرائيلية من جرائم حرب".

وقال سمارت: "إن القتل العشوائي الذي ذهب ضحيته العديد من المدنيين اللبنانيين ممن لم يشاركوا في الأعمال القتالية، والتدمير المتعمد والدنيء للممتلكات والبنية التحتية المدنية على نطائق هائل لم تكن لتستحق ولو نظرة رمزية من جانب اللجنة".

ومع أن اللجنة ليست مخولة بصلاحيات لجنة تحقيق رسمية تابعة للدولة، إلا أن لجنة فينوغراد امتلكت سلطة استدعاء الشهود والتوصية بمقاضاة الموظفين الرسميين الذين تتبين لها مسؤوليتهم عن القيام بسلوك جنائي متعمد أو ناجم عن الإهمال.

بيد أن اللجنة اختارت أن تقصُر عملها على استعراض الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية، ولم تبذل أية محاولة جادة للتحقيق في انتهاكات القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك ما ارتكبته القوات الإسرائيلية من جرائم حرب، أو للتوصية بتدابير لمحاسبة المسؤولين عن مثل هذه الانتهاكات. وقصَرت اللجنة توصياتها كذلك على وضع آليات لضمان الفعالية القتالية ضمن إطار معايير القانون الإنساني الدولي، وفتح الجيش تحقيقات فورية عندما تُثار بواعث قلق من أن انتهاكات قد ارتكبت للقانون الإنساني الدولي، والاستعداد على نحو أفضل للرد على المشكلات الإنسانية التي تنجم عن العمل العسكري. إلا أنها أشاحت بوجهها عن الأدلة المتوافرة على الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي، مدعية بأن تأويلات القانون الإنساني الدولي ذات طبيعة خلافية، وبأنها لا تملك القدرات الكافية لمعالجة الحجم الهائل من البيانات، وبأن الانتهاكات المزعومة قد خضعت للتحقيق من جانب هيئات أخرى، وبأن مثل هذه المزاعم تستخدم لأغراض دعائية ضد إسرائيل – بينما قامت فعلاً بالتدقيق في الاستراتيجيات والسلوكات العسكرية لبعض العمليات على نحو تفصيلي، بما في ذلك حالات كانت قد خضعت من قبل لتحقيقات أخرى على نحو منفصل.

إن منظمة العفو الدولية، واستناداً إلى أبحاثها وتحاليلها على الأرض لسير الأعمال العدائية في 2006، قد خلصت إلى أن السكان المدنيين اللبنانيين – وليس مقاتلي حزب الله – هم الذين دفعوا الثمن الباهظ لهجمات الجيش الإسرائيلي. ومن بين نحو 1,190 شخصاً لاقوا مصرعهم، كانت الأغلبية الساحقة من المدنيين غير المشاركين في الأعمال القتالية، وبينهم مئات الأطفال. كما كانت الأغلبية الساحقة من المنازل والممتلكات والبنى التحتية التي استهدفت في الضربات الجوية والقصف المدفعي مدنية بالمثل.

وقد خلُصت منظمات أخرى لحقوق الإنسان ومنظمات إنسانية أخرى وهيئات الأمم المتحدة التي تفحصت الأوضاع على الأرض إلى الاستنتاجات نفسها. ففي تقريرها الصادر في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2006، خلصت لجنة التقصي التابعة للأمم المتحدة إلى وجود: "... نمط كبير الأهمية من الاستخدام المفرط والعشوائي وغير المتناسب للقوة من جانب [جيش الدفاع الإسرائيلي] ضد المدنيين اللبنانيين والأهداف المدنية اللبنانية، حيث لم تميز هذه الهجمات بين المدنيين والمقاتلين وبين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية". وأورد تحقيق مستقل قام به أربعة من خبراء الأمم المتحدة المستقلين أيضاً وصدر في أكتوبر/تشرين الأول أن "المعلومات المتوافرة تشير بقوة إلى أن إسرائيل قد انتهكت في مناسبات عديدة واجباتها القانونية في أن تميِّز بين الأهداف العسكرية والمدنية؛ وفي أن تتقيد بالكامل بمبدأ التناسب".

وفضلاً عن ذلك، فإن إطلاق مئات الآلاف من القنابل العنقودية، التي تحتوي على ما يقدر بنحو أربعة ملايين قنبلة من الذخائر المتفجرة، خلال الأيام القليلة الأخيرة من الحرب، قد خلفت إرثاً هائلاً من أدوات القتل. وما زالت هذه تتسبب بالإصابات بين السكان المدنيين والعاملين في المساعدات الإنسانية والعاملين في إزالة الإلغام، الذين اختاروا تعريض حياتهم للخطر – بكل ما في الكلمة من معنى – لتطهير المناطق السكنية من القنابل التي لم تنفجر بعد.

ومضى مالكلولم سمارت إلى القول: "على الرغم من أن لجنة فينوغراد قد أوصت بأن يراجع الجيش سياساته بشأن استخدام القنابل العنقودية لضمان عدم انتهاك استخدام هذه الأسلحة القانون الإنساني الدولي ونظام الجيش، إلا أنها لم تقترح أي تدابير ملموسة لهذا الغرض".

إن إصرار الحكومة الإسرائيلية على رفض تسليم خرائط عمليات القصف بالقنابل العنقودية والإحداثيات الدقيقة للمناطق التي أطلقت قواتها القنابل العنقودية نحوها قد فاقم من خطورة عمليات تطهير الألغام وجعل من هذه المهمة أمراً أشد فتكاً وأكثر استنـزافاً للوقت. فحتى الآن، لاقى 40 شخصاً (27 منهم من المدنيين و13 من العاملين في إزالة الألغام) مصرعهم بينما أصيب 243 غيرهم بجروح (200 من المدنيين و34 من العاملين في إزالة الإلغام) نتيجة انفجار العبوات غير المنفجرة، بينما حدَّد مركز تنسيق الأمم المتحدة لمكافحة الألغام ما يزيد على 900 موقع بصفتها مواقع ملوثة بالمخلفات القاتلة للقنابل العنقودية التي لم تنفجر وغيرها من العبوات التي قصفت بها القوات الإسرائيلية جنوب لبنان.

إن منظمة العفو الدولية قد دعت الحكومة الإسرائيلية إلى ما يلي:

•    تزويد مركز تنسيق الأمم المتحدة لمكافحة الألغام ببيانات القصف بالقنابل العنقودية وبالإحداثيات الدقيقة للمناطق التي ألقت القوات الإسرائيلية بقنابلها العنقودية عليها.
•    مباشرة تحقيق مستقل وغير متحيز في الأدلة التي تشير إلى أن قواتها قد ارتكبت انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي إبان النـزاع، بما في ذلك جرائم حرب، وضمان تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة.
•    إعادة النظر في تأويلها للقواعد والمبادئ المتعلقة بمفاهيم الهدف العسكري والميزة العسكرية والتناسب، بغرض ضمان أن يتساوق تأويلها تماماً مع القانون الإنساني الدولي، وتقيُّد القوات العسكرية الإسرائيلية بالكامل بواجب اتخاذ التدابير الاحتياطية اللازمة عندما تشن هجماتها، وكذلك في حالات الدفاع، وعدم توظيف هجماتها كشكل من أشكال العقاب الجماعي.
•    إعلان حظر على استخدام جميع الأسلحة العنقودية، وضمان عدم استخدام مثل هذه الأسلحة، بأي حال من الأحوال، ضد المناطق المدنية تحت أي ظرف من الظروف.

كما دعت المنظمة حزب الله، الذي ارتكبت قواته كذلك جرائم حرب إبان نزاع 2006، إلى ما يلي:

•    التخلي عن سياسته غير القانونية في شن الهجمات الصاروخية الانتقامية ضد السكان المدنيين في إسرائيل وضمان تقيُّد مقاتليه كلياً بضرورة اتخاذ التدابير الاحتياطية أثناء الهجمات وفي حالات الدفاع، بما في ذلك ضرورة تمييز أنفسهم عن الأشخاص غير المقاتلين إلى أقصى حد ممكن.
•    ضمان المعاملة الإنسانية في جميع الأوقات لإيهود غولدفاسر وإيلداد ريغيف، الجنديين الإسرائيليين اللذين أسرهما مقاتلو حزب الله في 12 يوليو/تموز 2006، والسماح لهما بتلقي الزيارة على الفور من جانب اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

 




شارك هذه الصفحة: