قصائد من غوانتنامو، السجناء يتكلمون

منظمة العفو الدولية ودار الفارابي، لبنان، 2008

يتضمن هذا الكتاب قصائد نُظمت في أشد الظروف صعوبةً وبؤساً، إذ كتبها أشخاص ظلوا رهن الاحتجاز طيلة سنوات في المعتقل الأمريكي في خليج غوانتنامو بكوبا. فمنذ أن نُقلت أول مجموعة من المعتقلين إلى غوانتنامو، في يناير/كانون الثاني 2002، احتُجز مئات الرجال والفتيان المسلمين هناك بدون تهمة ولا محاكمة، وفي أوضاع قاسية دون أن تُتاح لهم سُبل تُذكر، أو لا تُتاح لهم أية سبل على الإطلاق، للاتصال بذويهم. وقد تواترت أنباء عدة، سواء من المعتقلين الذين أُفرج عنهم أو من خلال تحقيقات الحكومة الأمريكية نفسها، عن صنوف من التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة في ذلك المعتقل. وفي الوقت الراهن، وبعد مرور زهاء ست سنوات، لا يزال أكثر من 250 معتقلاً محتجزين في ذلك المعتقل، دون أن يعرفوا ما إذا كان سيُطلق سراحهم يوماً ما، أو متى وفي أية ظروف يمكن أن يحدث ذلك.

 

وينتمي كثير من المعتقلين في غوانتنامو إلى بلدان عربية شتى. ففي نهاية عام 2007، كان أكثر من ثلث المعتقلين من اليمن، مما يجعلهم أكبر مجموعة من رعايا بلد واحد تُحتجز في ذلك المعتقل. وقد أعادت السلطات الأمريكية كثيرين من المواطنين العرب الآخرين إلى بلدانهم الأصلية، وأُتيح لبعضهم أن يلحقوا على الفور بعائلاتهم إذ لم تُوجه إليهم أية تهم، واحتُجز آخرون لبعض الوقت ثم أُطلق سراحهم، وحُكم على آخرين بالسجن لمدد متباينة، بينما لا يزال الغموض يكتنف وضع آخرين، مثل بعض أولئك الذين عادوا إلى ليبيا والسعودية.

 

وقد تعرض بعض المعتقلين، قبل نقلهم إلى غوانتنامو، إلى الاحتجاز وقد عُصبت أعينهم وكُبلت أيديهم وأرجلهم بالأصفاد والسلاسل في مراكز احتجاز أمريكية أخرى، مثل تلك الموجودة في قاعدتي قندهار وبغرام الجويتين في أفغانستان، أو في معتقلات سرية تديرها الولايات المتحدة الأمريكية بتواطؤ تام من دول أخرى، ومن بينها دول عربية. وفي الوقت نفسه، كان هناك مواطنون عرب ضمن من تعرضوا لعمليات "النقل الاستثنائي"، التي تعني نقل معتقلين بصورة قسرية دون سند قانوني من دولة إلى أخرى، وهي العمليات التي نفذتها السلطات الأمريكية بالتواطؤ مع دول أوروبية وعربية وإفريقية. وفيما بعد، روى عدد من هؤلاء المعتقلين تفاصيل تقشعر لها الأبدان عن محنة الاختطاف والاحتجاز التعسفي والتعذيب على أيدي مختطفيهم الأمريكيين أو أفراد الشرطة السرية في البلدان التي نُقلوا إليها، مثل مصر والأردن وسوريا. وهناك عشرات المعتقلين الذين لم ينته بهم المطاف في غوانتنامو، بل ظلوا "مختفين"، ولا يدري أهلهم شيئاً عن مصيرهم أو مكانهم. وبالرغم من هذا كله، لم يخضع أحد مطلقاً للمحاسبة عن ارتكاب عمليات الاختطاف هذه وغيرها من الانتهاكات أو عن إصدار الأوامر بارتكابها. والواقع أنه لم يكن هناك سوى قلة لا تُكاد تُذكر من حالات المحاسبة عن الانتهاكات المنظمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها الولايات المتحدة وغيرها من الدول في سياق ما يُسمى "الحرب على الإرهاب".

 

داخل إطار

أهرقْ دمي
خذْ كََفَني
خذْ رُفاتي بل والتقط صوراً لجثماني المسجَّى في القبر وحيدا،
وأرسلْها لأهل دنيانا
للقضاةِ
لأصحابِ الضمائرِ
لعشاق المبادئِ والمُنصِفينْ.
ودَعْهمْ ينوؤونَ بوِزرِ الذنبِ أمامَ الكونِ
عن هذه الروحِ البريئةْ.
ليحملوا هذا الوِزرَ أمام التاريخِ وحدقاتِ الأطفالِ
عن روحٍ أضاعها الظالمونَ بغيرِ خطيئةْ،
وسامَها سوءَ العذابِ "حماةُ السلام".

   قصيدة "شعر الموت" بقلم جمعة الدوسري

 

وتعكس القصائد التي يضمها هذا الكتاب مشاعر الفزع والغضب والإحساس العارم بالظلم في نفوس أولئك الذين تعرضوا بصورة تعسفية للظروف المريرة في غوانتنامو. وتصوِّر القصائد صنوف المعاناة التي كابدها ويكابدها أولئك الكتاب وغيرهم من المعتقلين، ولكنها تنبض في الوقت نفسه بقدرة الروح الإنسانية على تجاوز أقسى المحن والشدائد.

 

وخلال السنوات الأولى لسجن أولئك المعتقلين في غوانتنامو، لم تتكشف عنهم سوى معلومات شحيحة. وكانت السلطات الأمريكية التي تحتجزهم تصفهم بأنهم مصدر خطر على وجه الخصوص، ويمثلون تهديداً للسلامة العامة؛ بينما كانوا في الوقت نفسه محرومين من أية فرصة لتفنيد الادعاءات الموجهة إليهم في محاكمة عادلة. إلا إن الوضع تغير على مر السنين، حيث استطاع بعض المحامين الأمريكيين في نهاية المطاف أن يلتقوا ببعض المعتقلين الذين أوكلوا إليهم أمر تمثيلهم، ومن ثم بدأ يُكشف النقاب عن مزيد من التفاصيل المتعلقة بنظام الظلم القائم في غوانتنامو. وبفضل أولئك المحامين، وفي مقدمتهم مارك فالكوف، أمكن الحصول على تلك القصائد ونشرها لتكون في متناول القراء.

 

وعلى مدى السنوات الست الماضية، أصبح اسم معتقل غوانتنامو في شتى أنحاء العالم رمزاً للظلم وإهدار حقوق الإنسان. إلا إن الأمر لم يكن على هذا النحو دائماً. ففي البداية، عمدت حكومات بعض الدول الأوروبية وغيرها من الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة إلى غض البصر عما يحدث، بل وإلى تبرير أفعال الحكومة الأمريكية، بالرغم من تناقضها الصارخ مع مبادئ وقيم حقوق الإنسان التي طالما تشدقت بها علناً تلك الدول؛ بل والولايات المتحدة نفسها. أما الآن، فقد غدا كثير من السياسيين في الولايات المتحدة وغيرها يضمون صوتهم إلى الأصوات المتزايدة في مختلف أنحاء العالم التي تطالب بإغلاق معتقل غوانتنامو، وبإطلاق سراح جميع المحتجزين هناك ما لم يتم توجيه تهم إليهم وتقديمهم إلى المحاكمة على نحو يتماشى مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.

 

وقد دأبت منظمة العفو الدولية، من جانبها، على رفض جميع التبريرات التي قُدمت لعمليات الاعتقال في غوانتنامو ولعمليات "النقل الاستثنائي" و"الإخفاء" القسري وغيرها من الممارسات غير القانونية، بما في ذلك صنوف المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، التي حولتها السلطات الأمريكية إلى عناصر جوهرية فيما تنتهجه من إستراتيجية "الحرب على الإرهاب"، ولم تدخر المنظمة وسعاً في كشف تلك الانتهاكات والنضال من أجل التصدي لها. وفي الوقت نفسه، تدين منظمة العفو الدولية بشكل مطلق جميع أعمال الإرهاب والهجمات على المدنيين، سواء ارتكبتها جماعات سياسية مسلحة، مثل تنظيم "القاعدة"، أو ارتكبتها قوات حكومية. وما برحت المنظمة تطالب بأن يُقدم جميع مرتكبي هذه الأعمال إلى ساحة العدالة في محاكمات أمام محاكم قانونية تُراعى فيها الضمانات المتعارف عليها عالمياً بشأن العدالة. ومع ذلك، فإن أولئك المعتقلين في غوانتنامو ما زالوا محرومين من هذا الحق في نيل محاكمة عادلة، وهو الحق الذي تكفله المادة 14 من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" وغيره من المواثيق الدولية الملزمة لحكومات العالم كافةً.

 

إلا إن إغلاق معتقل غوانتنامو، إن حدث يوماً، لن يكون كافياً في حد ذاته. فليس هذا المعتقل إلا الجانب الظاهر من نظام أوسع من الانتهاكات المروِّعة التي تبدت في السجون المسماة "المواقع السوداء"، وهي سجون سيئة السمعة تديرها السلطات الأمريكية في بلدان أخرى، كما تجلت في نمط انتهاكات حقوق الإنسان المتفشية بشكل مكثف في مختلف البلدان العربية. وقد استغلت هذه البلدان "الحرب على الإرهاب" لمواصلة عمليات القمع التي تستهدف الإسلاميين والمطالبين بالإصلاح، بما في ذلك أنصار الديمقراطية ودعاة حقوق الإنسان، إذ فُرضت قوانين شديدة القسوة تحت ستار مكافحة الإرهاب، وهي قوانين لا تطال أولئك الضالعين في أعمال العنف فحسب؛ بل تتجاوز ذلك لتشكل سيفاً مسلطاً على رقبة كل من يجاهرون بالمعارضة أو يطالبون بالتغيير السياسي أو الاجتماعي، كما تعززت أجهزة الأمن الحكومية، الضخمة أصلاً، واكتسبت مزيداً من الحصانة التي تجعلها بمنأى عن العقاب والمساءلة. وقد قُبض على آلاف الأشخاص وزُج بهم في السجون، وكثيراً ما ظلوا خلف القضبان لفترات طويلة احتُجزوا خلالها بمعزل عن العالم الخارجي، وتعرضوا للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة. وفيما بعد، حُكم على كثيرين منهم بالسجن لمدد طويلة، بل وبالإعدام أحياناً، بعد محاكمات جائرة لا تفي بأبسط معايير العدالة. وكما هو الحال مع المعتقلين الذين لا يزالون محتجزين في غوانتنامو، فقد تعرض أولئك السجناء لظلم فادح، ولكن نادراً ما سمع العالم أصواتهم.

 

وهذه القصائد التي بين دفتي هذا الكتاب هي شهادة صارخة على الويلات التي يكابدها أولئك المعتقلون، مثلما هي شهادة على ما يعانيه المعتقلون في غوانتنامو. وهي أيضاً تذكرةٌ بأن النسيان لن يطوي أولئك القابعين خلف القضبان.




شارك هذه الصفحة: