مستمرون في مناهضة التعذيب: دور المجتمع المدني في تونس

أحمد كرعود

عرفت تونس في السنوات التي سبقت اندلاع "ثورة الحرية والكرامة " في 14 كانون الثاني/يناير 2014 تفشي ظاهرة استخدام التعذيب في مراكز الاحتجاز والسجون، وقد أدى ذلك لموت العديد من الموقوفين والسجناء ممن اتهموا بالانتماء لمنظمات سياسية معارضة بشكل خاص فضلا عن بعض المتهمين في قضايا جنائية.

وبالرغم من انعدام الحريات الأساسية في البلاد وصعوبة العمل الحقوقي، فقد نجحت بعض المنظمات غير الحكومية مثل الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمجلس الوطني للحريات بتونس والمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب ومنظمة حرية وإنصاف من توثيق حالات التعذيب وإصدار تقارير لإعلام الرأي العام بتلك الحالات ووصف وسائل وطرق التعذيب وتحديد الجهات المسؤولة عن ممارسته وكذلك تنظيم حملات تضامن مع الضحايا والضغط من أجل مساءلة الجلادين ومعاقبتهم.

وبعد التغيير السياسي الذي أفرزته ثورة الحرية والكرامة في نهاية 2010 وبداية 2011، توسع هامش الحريات، فتطورت حرية التعبير والرأي وأسست العديد من المنظمات الحقوقية وتجرأ الكثير من ضحايا التعذيب من سرد معاناتهم في مراكز الشرطة والحرس الوطني وفي السجون والمعتقلات، كما أسست العديد من المنظمات التي تعنى بالمساجين السابقين.

لقد ساعد مناخ الحرية الجديد المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية في تطوير عملها وأصبحت تتحرك بحرية أكبر في مجال توثيق حالات التعذيب الذي تواصل استخدامه بعد الثورة. ودأبت هذه المنظمات على إصدار التقارير والمساهمة في أعمال هيئات منظمة الأمم المتحدة لمراقبة مدى التزام الحكومة التونسية بتعهداتها عبر آلية الاستعراض الدوري الشامل أو لجنة مناهضة التعذيب ومن خلال النظر في التقارير الدورية للدولة التونسية كطرف في اتفاقية مناهضة التعذيب لسنة 1984 وكذلك في العمل مع المقرر الخاص بالتعذيب.

وقد تمكنت بعض المنظمات الدولية من فتح مكاتب لها بتونس لمساعدة منظمات المجتمع المدني على بناء قدراتها في مجالات الترصد والتوثيق والمساعدة القانونية لضحايا التعذيب وأيضا لتطوير أنشطة التوعية والتربية على مناهضة التعذيب.

فقد نظمت المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب معرضا للصور الفوتوغرافية بعنوان "تحت الياسمين" في عدة مدن وذلك بمراكز ثقافية، وكان الهدف من تنظيم هذا المعرض تقديم معلومات عن نساء ورجال شيبا وشبابا قبلوا أن يتم تصويرهم وأدلوا بشهاداتهم على فظاعة ما ارتكب في حق الإنسان، وقد دل هذا المعرض على أن هؤلاء الأشخاص "قد خطوا بتضحياتهم وبعذاباتهم طريقا نحو الحرية "والسير نحو مستقبل" لا يصبح فيه التعذيب جريمة لا تسقط بمرور الزمن فحسب، بل ممارسة ينبذها المجتمع بأكمله".

وعلى الرغم من وجود مناخ من الحرية وخاصة حرية الرأي والتعبير وتأسيس الجمعيات، استمر     استخدام التعذيب في أماكن الاحتجاز، وإثر تواتر معلومات عن وفاة شخصين وهما رهن الاعتقال في أسبوع واحد في الفترة الممتدة من 25 أيلول/سبتمبر الى 3 تشرين الأول/أكتوبر 2014. وأصدرت 24 منظمة وطنية ودولية بيانا يوم 16 أكتوبر 2014 بعنوان "التعذيب والمعاملة السيئة مستمران والإفلات من العقاب هو السائد". وعبرت تلك المنظمات عن عميق انشغالها وقلقها لاستمرار التعذيب بالرغم من أن العديد من المنظمات قد وثقت حالات التعذيب منذ سنة 2011 وقدمت شكاوى وطلبت إجراء تحقيقات إدارية وقضائية إلا أن عددا قليلا من هذه الشكاوى وصل إلى نتيجة إيجابية بحيث تمت معاقبة الجلادين، كما أن هذا السلوك أدى إلى استفحال ثقافة الإفلات من العقاب.

وقد بينت المنظمات الموقعة على البيان "أن الإصلاحات القانونية والمؤسساتية التي أنجزت في الفترة الانتقالية التي أعقبت خروج الرئيس السابق من تونس لا تعتبر قطعا واضحا وصارما مع الماضي"، وأن استمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان يعبر عن غياب مقاربة شاملة لمناهضة التعذيب والمعاملة القاسية وغير الإنسانية والمهينة للموقوفين والمساجين.

من هنا جاءت أهمية العمل المستمر الذي تقوم به منظمات المجتمع المدني من أجل الضغط على السلطات، وخاصه الجهات المكلفة بإنفاذ القانون حتى يصبح التزام الدولة التونسية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب فعليا لا أن يقتصر على الورق. ويمكن اعتبار انتخاب الأستاذة راضية النصراوي- المحامية التونسية ورئيسة المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب- يوم 23 تشرين الأول/أكتوبر 2014 كخبيرة في لجنة مناهضة التعذيب الأممية، رسالة وجهتها الدول للحكومة التونسية  لاحترام التزاماتها ولاتخاذ التدابير التي من شأنها الحد من استخدام التعذيب- هذه الممارسة المشينة- والقضاء على ظاهرة الإفلات من العقاب لمن أثبتت التحقيقات الإدارية والقضائية  تورطهم في ممارسة التعذيب.

 

* مدافع عن حقوق الإنسان من تونس




شارك هذه الصفحة: