لمحة موجزة عن التعذيب في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا

منظمة العفو الدولية، 2014

اهتزت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جراء الاضطرابات التي اجتاحتها طوال معظم سنّي العقد الحالي. ولقد تراجع التفاؤل الأولي الذي اجتاح المنطقة بخصوص تحقيق المزيد من الاحترام لحقوق الإنسان في المنطقة بما في ذلك جعلها خالية من التعذيب؛ وبرز شعور باليأس ساد لاحقا جراء غياب التقدم، لا سيما على صعيد الأزمة السورية والرعب المرافق لكارثة حقوق الإنسان التي حلت بالبلاد وحيث يرتكب التعذيب على نطاق واسع. وفي أماكن أخرى من المنطقة، لا سيما تلك التي شهدت سقوط أنظمة ظلت تحكمها فترات طويلة جدا، فلقد تسلل شعور بالإحباط إلى الناس بفعل وتيرة التغيير.

ولجأت السلطات الجديدة في بعض الحالات إلى اتخاذ خطوات محدودة من قبيل تعزيز أطر المنع القانوني للتعذيب، كما حصل في تونس التي شرعت في تطبيق مرحلة العدالة الانتقالية. ومع ذلك، فإن العوامل التي سهلت ارتكاب مثل تلك الانتهاكات قد أثبتت أنها متجذرة بعمق، الأمر الذي زاد من صعوبة ترجمة النصوص القانونية النظرية إلى واقع ممارسة عملية.

أوضاع النزاعات وما بعدها

ولقد ارتفع عدد حالات التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة المبلغ عنها في سوريا بشكل غير مسبوق منذ أن جوبهت احتجاجات مارس/ آذار 2011 بالقوة الوحشية من جانب السلطات، قبل أن يتطور الأمر إلى النزاع الداخلي المسلح التي تدور رحاه الآن في سوريا. ويُمارس التعذيب بشكل منتظم بحق المحتجزين الذين يُشتبه بضلوعهم في أنشطة المعارضة، لا سيما الناشطين السلميين منهم والأطفال. وثمة تقارير أبلغت عن وفاة الآلاف في عهدة السلطات. كما وثقت منظمة العفو الدولية ارتكاب الجماعات المسلحة للتعذيب أيضاً.

كما أطاح التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة بسجل عدد من البلدان التي خرجت لتوها من نزاعات مسلحة دارت فيها. ففي العراق، لا زال التعذيب ظاهرة تتفشى في السجون ومراكز الحجز. ويُعتقد أن أكثر من 30 شخصا قد توفوا في الحجز جراء هذا النوع من المعاملة خلال الفترة بين عامي 2010 و2012.

وفي ليبيا، يتفشى التعذيب في منشآت الدولة وتلك التي تديرها الميليشيات. ولقد وثقت منظمة العفو الدولية 23 حالة وفاة ناجمة عن التعذيب منذ نهاية نزاع عام 2011 في البلاد.

التعامل مع المعارضة والاحتجاجات والتهديدات المحتملة للأمن القومي

تمتلك حكومات بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خاصية مشتركة على صعيد مستويات التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة التي تلجأ إليها من أجل قمع المعارضة والاحتجاجات أو التصدي للتهديدات المحتملة للأمن القومي.

وأثناء إنتفاضة عام 2011 في مصر، استخدمت قوات الأمن والجيش التعذيب كسلاح ضد المحتجين. وإبان حكم الجيش للبلاد في مارس/آذار 2011، أُخضعت المحتجات "لفحص العذرية" عنوة. وتعكف السلطات الحالية على صياغة مسودة قانون لمكافحة الإرهاب الذي من شأنه متى ما تم إقراره التقويض من الضمانات الوقائية الحالية التي تمنع التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة دون أن تتمكن من وقف تفشي هذه الممارسة.

ودأبت السلطات في إيران على اعتماد التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة لانتزاع "الاعترافات" التي قد تُستخدم في الحكم على صاحبها بالإعدام على ذمة قضايا تبدأ بقمع المعارضة السلمية وصولا إلى جرائم تتعلق بالمخدرات وإضطهاد الأقليات. وتشيع هذه الممارسات أثناء مرحلة الاستجواب التي تشهد عموما حرمان المحتجزين من إمكانية الاتصال بالمحامي.

وفي عدد من البلدان، اضطُرت السلطات إلى التدخل للرد على تهديدات حقيقية للسكان من طرف الجماعات المسلحة أو الأفراد الذين استهدفوا المدنيين. ومع ذلك، فإن الطريقة التي تنفذ تلك الدول فيها عمليات الرد على تلك الجماعات قد شابتها مزاعم ارتكاب التعذيب بحق المشتبه بهم. ففي الأردن مثلاً، أُلقي القبض على 11 رجلا في أكتوبر/ تشرين الأول 2012 بزعم قيامهم بالتخطيط لشن اعتداءات عنيفة في عمًان وفق ما أدلوا به من اعترافات قيل أنها انتُزعت منهم تحت التعذيب.

وعلاوة عل ذلك، وجد معارضو الحكومة وناشطو المجتمع المدني أنفسهم ضحية – بشكل مقصود أحياناً- لمثل تلك العمليات. وغالبا ما يتم الإبلاغ عن حالات تعذيب وسوء المعاملة في السعودية في قضايا أشخاص يُشتبه بارتكابهم جرائم أمنية، وهي فئة قد تشمل المعارضين السياسيين.

وثمة مزاعم حديثة تتحدث عن ارتكاب التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة بحق المحتجزين الموقوفين على خلفية قضايا "أمنية" في بلدان الخليج الأخرى، أي البحرين والكويت وعُمان وقطر والإمارات العربية المتحدة.

وفي إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، تظل الإساءة إلى المحتجزين أثناء مرحلتي إلقاء القبض والإستجواب إحدى بواعي القلق والشواغل القائمة، لا سيما بالنسبة للفلسطينيين. ومنذ عام 2001، قُدمت أكير من 800 شكوى تتعلق بتعذيب المحتجزين على أيدي جهاز الأمن الإسرائيلي ولكن لم تجر تحقيقات جنائية على خلفية أي من تلك الشكاوى.

وكانت السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وإدارة الأمر الواقع التابعة لحماس في قطاع غزة مسؤولتين عن تعذيب المحتجزين والتعرض لهم بسوء المعاملة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالخصوم السياسيين لكلا الطرفين. وأبلغت هيئة رقابية شكلتها السلطة الفلسطينية عن تلقيها 150 بلاغا على خلفية ارتكاب التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة في الضفة الغربية مقابل 347 بلاغا آخرا في قطاع غزة في 2013.

 

أشكال العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة

لا زالت قوانين عدد من بلدان المنطقة، لا سيما دول الخليج، تنص على جواز فرض عقوبات قاسية أو لاإنسانية أو مهينة من قبيل الرجم والجلد وبتر اليدين، إلا أن السعودية وإيران تقومان بتطبيق تلك العقوبات أكثر من غيرهما.

نمط يسوده تقاعس الدول

تتفشى أنماط التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة في المنطقة من جراء تصرف قوات الأمن وعملها دون رقيب أو حسيب تقريبا، وتعتمد النظم القضائية في المنطقة على الاعترافات، وغالبا ما تتقاعس السلطات القضائية التي تفتقر للاستقلالية عموما عن التحرك والتصرف عندما تصلها بلاغات عن وجود ذلك النوع من المعاملة.

وتكمن المشكلة الرئيسية في غياب الإرادة السياسية. ففي البحرين، تم تشكيل هيئة من الخبراء الدوليين بضغوط دولية عقب قمع إنتفاضة عام 2011، وخلصت الهيئة إلى أن الحكومة البحرينية قد استخدمت التعذيب بحق المحتجزين على نحو منتظم. وأعلنت الحكومة أنها تقبل بنتائج عمل الهيئة ولكنها تقاعست عن تنفيذ التوصيات الصادرة.

وفي مختلف أنحاء المنطقة، ظل العنف الموجه ضد النساء مشكلة قائمة. وتقاعست الدول عن توفير حماية فعالة وفق أحكام القانون لمكافحة مثل هذه الجرائم التي يرتكبها أشخاص بصفتهم الفردية، وأظهرت تهاونا مع مرتكبيها من خلال عدم حرصها على التحقيق بها وملاحقة الجناة بالشك الكافي.

ولقد تسبب تدابير العفو المتبعة في بعض البلدان إلى تفاقم الأوضاع علاوة على غياب المساءلة عموما على صعيد الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان من قبيل التعذيب. ففي اليمن، سنت الحكومة قانونا في يناير/ كانون الثاني 2012 يمنح الرئيس السابق علي عبدالله صالح حصانة من الملاحقة الجنائية، ويشمل ذلك أيضاً كبار رموز نظامه، حيث نص القانون على عدم مساءلتهم على ما ارتكبوه من "أفعال بدوافع ساسية" جاءت في معرض اضطلاعهم بمهامهم الرسمية.

وفي الجزائر، منحت السلطات عناصر قوات الأمن والميليشيات المسلحة التابعة للدولة حصانة بعدم ملاحقتهم جنائيا على ما ارتكبوه من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان إبان النزاع المسلح الذي دار في البلاد في تسعينات القرن الماضي.

خطوات في الإتجاه الصحيح

أُحرز بعض التقدم مؤخرا نحو تعزيز المنع المفروض على ارتكاب التعذيب ضمن نصوص القوانين المحلية، لا سيما في تونس وليبيا. وبالمقابل، قامت السلطة الفلسطينية والسلطات في لبنان الذي يشكل التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة فيه أحد الشواغل الرئيسية فيه، بطرح مدونات سلوك خاصة بقوات الأمن تحدد التدابير الموجب اتباعها للحيلولة دون وقوع تلك الإنتهاكات.

وتم للمرة الأولى في المغرب والصحراء الغربية استحداث تدابير خاصة بالعدالة الانتقالية للتصدي لإرث التعذيب وغيره من الانتهاكات التي ارتكبت في الماضي. وأبرزت هيئة شُكلت في عام 2003 مسؤولية الدولة عما ارتكبه عناصر أجهزتها الأمنية من انتهاكات لحقوق الإنسان خلال الفترة الواقعة بين عامي 1956 و 1999- ويشمل ذلك التعذيب؛ وأوصت الهيئة بضرورة تعويض العديد من الضحايا ماليا. ومع ذلك، فلم تقم الهيئة كما ينبغي بمراعاة الحق في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة لضحايا التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة التي لا زال يُبلغ عن ارتكابها، بما في ذلك التي تُرتكب ضد أنصار الحق في تقرير المصير بالصحراء الغربية.

وفي ديسمبر / كانون الأول 2013، مُنحت إحدى الهيئات في تونس صلاحية التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في البلاد منذ عام 1955. وثمة تطورات أخرى تبعث على الأمل على صعيد المساءلة. وفي مارس/آذار 2013، تم استخراج رفات الشاب فيصل بركات الذي قضى نحبه تحت التعذيب وهو في عهدة الأجهزة الأمنية في أكتوبر / تشرين الأول 1991. وضحدت نتائج الفحص الذي أُجري على رفاته رواية الحكومة التونسية السابقة التي أصرت على أن الوفات ناجمة عن إصابته في حادث سير؛ ولا زالت الإجراءات القضائية مستمرة.

 

الوفاة في الحجز

في إيران، تُوفي المدون ستار بهشتي وهو في عهدة شرطة جرائم الفضاء الإلكتروني في عام 2012، حيث زُعم أن توفي جراء التعذيب هناك. وورد في تقرير الطب الشرعي أن بهشتي في توفي جراء إصابته بنزيف داخلي في الرئتين والكبد والكلى والدماغ. ولًما يتم بعد فتح تحقيق شامل ومحايد في وفاته.

 

مقتطفات من "ثلاثون عاما من نكث الوعود: التعذيب في عام 2014"، وثيقة رقم  ACT 40/004/2014

يمكنكم تنزيل الوثيقة كاملة على الوصلة أدناه:

http://bit.ly/1vN8mYD




شارك هذه الصفحة: