التعذيب: اللاجئون وطالبوا اللجوء والعمال المهاجرين في لبنان

وديع الأسمر*

قبل الحديث عن التعذيب من المهم تحديد ماذا تعني هذه الكلمة. كناشط في الدفاع عن حقوق الانسان كثيرا ما يطرح علي هذا السؤال من باب التشكيك أو التخفيف من مخاطر التعذيب. فكثيرون عن قصد أو غير قصد يتعمدون التعمية عن التعريف الواضح للتعذيب كي يخففوا من وطأته. لذلك وقبل البدء يهمني التوضيح انه عندما أتكلم عن التعذيب فإنما أتكلم عن التعذيب كما تعرف به "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة" التي صادق عليها لبنان في عام 2001 وصادق على البروتوكول الاختياري الخاص بها في عام 2009. هذه المعاهدة تعرف التعذيب بما يلي :" أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث - أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها."

هذا في المبدأ، وبما أن الدولة اللبنانيىة قد صادقت على هذه المعاهدة فإن هذا التعريف وباقي مواد الاتفاقية ملزمة للحكومة اللبنانية وخاصة المادة الثالثة التي تخص اللاجئيين وطالبي اللجوء حيث تنص :" لا يجوز لأية دولة طرف أن تطرد أي شخص أو أن تعيده ("أن ترده") أو أن تسلمه إلى دولة أخرى، إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب. "

في مقاربة سريعة للوضع العام في لبنان في ما يخص التعذيب فأننا نجد أنه للاسف ما زال يمارس بكثرة، وبشكل ممنهج كما أكد ملخص التقرير الصادر عن لجنة مناهضة التعذيب في السابع من تشرين الأول ولبذي عرض لواقع التعذيب في لبنان بعد زيارة تحقيق قامت بها اللجنة بين أّيار 2012 و تشرين الثاني 2013. وقد خلصت اللجنة الى أن التعذيب "ممارسة متفشية في لبنان تلجأ إليها القوات المسلحة والأجهزة المكلفـة بإنفاذ القانون". لقد أظهرت اللجنة من خلال تقريرها بأن ممارسة التعذيب هي ممارسة ممنهجة في لبنان ارتكازا إلى المادة 20 من اتفاقية مناهضة التعذيب. كما دقّ تقرير اللجنة ناقوس الخطر حيال حالة حقوق الانسان وواقع التوقيف ومراكز الاحتجاز في لبنان بما فيها أسس حماية الافراد المحرومين من الحرية.

هذا التوصيف الأممي لوضع التعذيب في لبنان يغني عن الكثير من التحليل ويمكنني من الانتقال الى الشق الخاص من المقالة وهو المعني بوضع بعض الفئات الضعيفة والمهمشة وبالأخص اللاجئين وطالبي اللجوء والعمال المهاجرين. هؤلاء كباقي اللبنانيين هم عرضة للتعذيب الممنهج ولكن وضعهم الخاص وضعف الحماية القانونية خاصة فيما يعني اللاجئين وطالبي اللجوء يجعلهم معرضين أكثر من غيرهم من المقيمين على الأراضي اللبنانية للتعذيب. وللأسف، ساهمت الأزمة السورية والارتفاع الحاد لعدد اللاجئيين والخلاف الداخلي حول تصنيفهم إلى إضعاف إذا لم نقل إلغاء أي إطار قانوني لحمايتهم من التعذيب.

فاللاجئ أو العامل الأجنبي في لبنان يتعرض بالمبدأ لتمييز قضائي بحيث أنه بعد إطلاق سراحه سواء لانتفاء الجرم أو لأنه أتم محكوميته لا يحرر كما يقتضيه القانون إنما يحال إلى الأمن العام المكلف من قبل الدولة بإدارة الأجانب. وتتحول هذه الإدارة إلى احتجاز إداري خارج إطار القانون ما يجعل من اي أجنبي مقيم على الأراضي اللبنانية عرضة لهذا الإجراء الذي يتحول في بعض الحالات الى حالة تعذيب نفسي خاصة عندما يجد بعض اللاجئ أو طالب اللجوء نفسه أمام حلين غير مقبولين: إما التخلي عن صفة اللاجئ والقبول بالترحيل الطوعي إلى مصير قاتم في بلده الام أو البقاء الى أجل غير منظور، محتجزاً في ما يسمى "مركز احتجاز الأجانب " التابع للأمن العام والمعروف باسم "سجن العدلية" الموجود في الطابق الثالث تحت الارض.

الإشكالية الأساسية التي تواجه الأجانب في لبنان هي ضعف الحماية القانونية التي يتمتعون بها ما يحولهم فريسة سهلة للتعذيب وكافة انتهاكات حقوق الانسان. لكن هذه الحماية الضعيفة تصبح شبه معدومة عندما يتعلق الأمر بالاجئين وطالبي اللجوء، فهولاء عمليا لا يتمتعون بأية حماية قانونية.

ولمزيد من الوضوح سوف أقارب، ابتداءً من هذه النقطة، قضية العمال الأجانب وقضية اللاجئين بشكل منفصل.

في بلد صنفته الأمم المتحدة بأنه يمارس التعذيب بشكل ممنهج لا ينجو العمال الأجانب من التعرض للتعذيب على يد الأجهزة الامنية خلال التحقيقات، خاصة أن أصابع الاتهام تطالهم عند حصول أي جريمة في محيطهم المباشر. بالإضافة إلى هذا التعذيب المباشر، تعتبر ظروف عملهم في لبنان وإخضاعهم لنظام الكفالة غير القانوني يجعله منهم رهائن لدى أرباب عملهم ويحرمهم من أية حماية قانونية ويعرضهم لسوء المعاملة التي تربو في بعض الحالات إلى التعذيب وإن كان المرتكب ليس له صفة رسمية.

وفيما يخص اللاجئين وطالبي اللجوء فإن الإشكالية مختلفة بعض الشيء، فلبنان لم يوقع على أية معاهدة لحماية وتعريف اللاجئين ما يجعل إقامتهم وحمايتهم في لبنان متعلقة إلى اقصى الحدود بالعلاقة الغامضة بين الدولة اللبنانية ممثلة بأغلب الأحيان بالأمن العام والمفوضية العليا لشؤون اللاجئيين. وهذه العلاقة غير مبنية على أسس واضحة تسمح بتأمين الحماية الدنيا للاجئين وطالبي اللجوء. فآخر مستند رسمي وعلني في هذا الإطار يعود للعام 2003، حيث وقعت المفوضية العليا والأمن العام مذكرة تفاهم لإدارة قضية اللاجئين غير الفلسطنيين الذين كان عددهم لا يتجاوز بضع مئات بينما أصبح هذا العدد يتخطى المليون ونصف المليون بعد بدء اللجوء من سوريا عام 2012. إن غياب هذا الإطار القانوني الواضح يجعل من إقامة اللاجئين وطالبي اللجوء في لبنان مغامرة غير محمودة العواقب. إن أي إشكال أو عملية تفتيش روتينية قد تحول حياة اللاجئ إلى جحيم فيجد نفسه في مركز اعتقال الأمن العام مخيرا بين العودة إلى بلده حيث يزداد احتمال تعرضه للتعذيب أو القتل إلى حد بعيد، أو البقاء لفترة غير محدودة في هذا السجن الموجود تحت الأرض، ما يشكل تعذيبا واضحا وجليا. وهذا الوضع يشكل انتهاكا صريحا للبند الثالث من المعاهدة الدولية لمكافحة التعذيب:

1. لا يجوز لأية دولة طرف أن تطرد أي شخص أو أن تعيده ("أن ترده") أو أن تسلمه إلى دولة أخرى، إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب.

2. تراعى السلطات المختصة لتحديد ما إذا كانت هذه الأسباب متوافرة، جميع الاعتبارات ذات الصلة، بما في ذلك، في حالة الانطباق، وجود نمط ثابت من الانتهاكات الفادحة أو الصارخة أو الجماعية لحقوق الإنسان في الدولة المعنية.

هذا الواقع العام يجعل العمال الأجانب واللاجئين ضمن الفئات الأكثر عرضة للتعذيب في لبنان، ويضع مسؤولية كبيرة على كاهل نشطاء حقوق الانسان الذين يحاولون تأمين مستوى مقبول من الحماية لهم. فمراكز عدة لتأهيل ضحايا التعذيب مثل مركز نسيم، والمدار- الذي أنشأه المركز اللبناني لحقوق الإنسان- تقدم المعونة الطبية والنفسية والاجتماعية والقانونية لضحايا التعذيب من المقيمين في لبنان. ومن الجدير بالملاحظة، أن الأجانب المقيمين في لبنان الذين كانوا عرضة للتعذيب يخشون اللجوء إلى القضاء او المجتمع الأهلي لطلب المساعدة.

ختاما يتوجب على الناشطين في مجال حقوق الإنسان أن يوحدوا مطالبتهم للدولة اللبنانية بوضع حد نهائي للتعذيب في جميع الحالات وتأمين الحماية القانونية اللازمة للمقيمين أو اللاجئين في لبنان بغض النظر عن واقعهم القانوني.

يبقى تساؤل أخير حول توزيع المسؤوليات لاستمرار الانتهاكات وطرق الحد منها بغية إلغائها.

إن وقف إنتهاكات حقوق الإنسان في لبنان منوط بالإرادة، وليس بالوسائل. ومن دون هذه الإرادة، ستستمر الجرائم التي ترتكبها الدولة بحق شخص الإنسان إلى ما لا نهاية.

إن الوسائل موجودة. ففي لبنان، مفكرون وجامعيون بامتياز، وموارد مادية. كلها عوامل يمكن بفضلها وصف لبنان بالبلد "المتقدم إلى حد ما"، الذي يستفيد أيضا من مساعدة دولية استثنائية، سياسية ومالية بالقدر ذاته. علاوة عن ذلك، ومنذ عام 2005، ينتخب الشعب اللبناني الممثلين عنه في إطارٍ من الهدوء والديمقراطية نسبياً، مع الأخذ بعين الأعتبار التراجع المؤسف لهذا المناخ الديمقراطي بسبب التمديد مرتين للمجلس النيابي منذ 2013، وعدم انتخاب رئيس للجمهورية رغم فراغ المنصب من ايار من هذا العام كما وتعطيل عمل المجلس الدستوري. وحدها الإرادة تنقص. ولكن الأمور التالية تعيق أي تقدم في محاربة الانتهاكات وخاصة عندما بتعلق الأمر بالأجانب المقيمين في لبنان لاجئين كانوا أم عمالا:

 

غياب الإرادة الإجتماعيَّة

 

يبدو أن الشعب اللبناني يجهل أنه شعب يملك حقوقاً ينصُ عليها دستور البلاد، وقانونه المحلي، والتزاماته الدولية، وأن حقوقه عالمية وأن كل شخص يعيش في لبنان يتمتع بالحقوق نفسها، بغض النظر عن الجنسية، أو الانتماء الطائفي، غنياً كان أم فقيراً، يملك معارف قوية أم لا.

 

لا مبالاة الدَّولة

 

إن المسؤولين السياسيين وموظفي الدولة هم مواطنون أيضاً يتوجب عليهم وضع إصلاحات تقوم على حقوقهم وعلى حقوق كافة المواطنين.

ولكم من المحزن رؤية حالة مراكز الشرطة وقصور العدل والسجن المركزي وهذه ليست إلا بعض الأمثلة التي لم تعد قديمة نسبياً فحسب، بل تسودها القذارة والشعور باللامبالاة اللذان يؤثران على العاملين فيها كما على المحكوم عليهم.

ما الذي يمنع موظفي الدولة، بصفتهم مواطنين وكلٍ منهم على صعيده، عن العمل للمصلحة المشتركة؟ إحدى الإجابات الأكثر إزعاجاً التي نسمعها من موظفي الدولة عند ذكر مسألة حقوق الإنسان في لبنان هي التالية: "يمكن تطبيق ذلك في السويد، لكن ليس في لبنان". وما الذي يمنع اللبنانيين من مجاراة السويديين، وحتى التفوق عليهم؟

ان مكافحة التعذيب الذي يتعرض له جميع المقيمين في لبنان مسؤولية مشتركة وان كان المنتهك هو السلطة فإننا كناشطين لدينا أيضا مسؤولية في مكافحة التعذيب.

لذلك أعتقد أنه يجب توزيع التوصيات على الجميع.

 

الحكومة اللُّبنانيَّة:

 

  • إلغاء نظام الكفالة واستبداله بقانون لإدارة العمالة وشؤون المقيمين الأجانب بما يحترم حقوق الانسان؛

  • اعتماد الآلية الوقائية الوطنية في أقرب وقت ممكن، وفقاً لأحكام البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب؛

  • الإسراع في تقديم التقرير الأولي إلى لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، والذي ما زالت تنتظره منذ عام 2001، والامتثال لتوصياتها؛

  • التقيد بالمادة 22 من اتفاقية مناهضة التعذيب، والاعتراف بالتالي باختصاص اللجنة في تسلم ودراسة شكاوى واردة من أفراد يتعرضون لانتهاكات أحكام هذه الاتفاقية؛

  • دعوة المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بمسألة التعذيب للقيام بزيارة تقصي حقائق إلى لبنان؛

  • والمصادقة على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم.

-إصدار أمر بإغلاق كافَّة السُّجون غير القانونيَّة التي لا تتبع للدَّولة.

 

البرلمان اللبناني:

 

-تعديل المادَّة 401 من قانون العقوبات بغية تجريم كافة أشكال التعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك التعذيب النَّفسي، وتكييف العقوبة الناشئة عن جريمة التعذيب، وهي تصل حاليّاً إلى الحبس لمدَّة 3 سنوات، مع خطورة الجريمة.

-تعديل قانون 1962 الخاص بتنظيم دخول وإقامة الأجانب في لبنان والخروج من البلاد وذلك لإعفاء طالبي اللجوء واللاجئين من العقوبات بسبب تواجدهم في البلاد بشكلٍ غيرشرعي.

-إلغاء المادَّة 534 من قانون العقوبات لوضع حدٍ لكل توقيفٍ على أساس التمييز الجنسي.

-إصدار أمر بالإغلاق الفوري لسجون وزارة الدِفاع والمقر العام لقوى الأمن الدَّاخلي في الأشرفيَّة ومركز اعتقال الأجانب في العدليَّة.

-إعادة النَّظر في صلاحيَّات المحاكم العسكرية.

-وضع جدول زيارات منتظمة للجنة البرلمانيَّة لحقوق الإنسان إلى كافة السُجون اللبنانية.

 

وزارة الدَّاخليَّة

 

-إصلاح إجراءات الأمن العام المتعلقة بطريقة معاملة الأجانب، والحرص على وضع حدٍ للإعتقال المنهجي للأجانب بعد انتهاء مدَّة عقوبتهم.

-القيام بمراقبةٍ فعَّالة لأجهزة الأمن عبر إجراء تحقيقاتٍ داخليَّة وفرض عقوباتٍ تأديبيَّة كلما حصل انتهاكٌ

-تحديد الدَّور، ضمن نطاق التوقيف والإستجواب، الذي يضطلع به كل جهاز تابع لوزارة الدَّاخليَّة

-فتح مركز إحتجاز جديد يحترم المبادىء والمعايير الدَّوليَّة

-ضمان الخصوصيَّة في الاجتماعات بين المعتقلين ومحاميهم، وفقاً للتَشريعات الوطنيَّة.

-تأمين تنسيق أفضل بين موظَفي السِّجن والأمن العام والمفوَّضيَّة العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاَّجئين لإعادة نظر منهجيَّة في وضع الأجانب، ولمشاركةٍ أفضل للسَّفارات في تلبية حاجات المعتقلين.

-منع السَّفارات عن مقابلة رعاياها المعتقلين ما أن يطلبوا أو يفكروا في طلب اللجوء أو يصبحوا في موضع اللاجىء.

-حظر توقيف أو/واعتقال اللاجئين أو طالبي اللجوء، فقط بسبب دخولهم أو/وإقامتهم غير الشَّرعيَّين. 

 

وزارة العدل

 

-إجراء إصلاحات عميقة في مجال المساعدة القضائيَّة.

-مراجعة كافَّة المحاكمات غير العادلة.

-فتح تحقيق منهجي حول كل ادِّعاء تعذيبٍ موثوقٍ.

-إلغاء كل تحقيقٍ أوَّلي منهجياً إذا كان يتضمَّن ادِّعاءات تعذيبٍ موثوقةً.

-ملاحقة ومحاكمة كل مشتبه فيه مزعوم في قضايا تعذيب.

-ضمان وجود محام خلال جلسات التحقيق كلها، وخلال المحاكمة، للأجانب حتَّى الذين ينبغي أن يحصلوا على مترجم فوري أيضاً. 

 

* أمين عام المركز اللبناني لحقوق الإنسان




شارك هذه الصفحة: