مكافحة ظاهرة الإفلات من العقاب في تونس: ينبغي القيام بمزيد من العمل

هيلين ليجيه*

بدأ توفيق العيبة لتوه عامه الخامس خلف القضبان. وما انفك هذا التونسي، وهو أب أربعة أطفال ويحمل الجنسية الكندية ويبلغ من العمر خمسين عاما، عن إدانة الظلم الذي تعرض له؛ فقد أُلقي القبض عليه في 1 سبتمبر/ أيلول 2009 بتهمة تهريب السيارات.  وتعرض العيبة للتعذيب أثناء وجوده في الحجز الاحتياطي في ثكنة الحرس الوطني في العوينة بغية إجباره على التوقيع على اعترافات.  وفي شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2011، أدين توفيق وحكم عليه بالسجن 22 عاماً بناء على الاعترافات التي انتُزعت منه بالقوة، على الرغم من تكرار شكوى محاميه بشأن تعرضه للتعذيب.

وعندما تولت "الجمعية المسيحية لمناهضة التعذيب-أكات" بالشراكة مع "المنظمة السويسرية لمكافحة الإفلات من العقاب" ملف قضية توفيق الذي قدمته عائلته في 2012، أجري تحقيق في تعرضه للتعذيب، وذلك بعد حوالي 32 شهراً من تحرير الشكوى الأولى، قبل أن يتوقف عدة أشهر بعد ذلك. ويظل قرار الإفراج عن توفيق متوقفاً على ما تتمخض عنه نتائج التحقيق، ولم يحرك أحد ساكناً حتى الآن على الرغم من الطبيعة الملحة والمستعجلة للقضية.

وما توفيق العيبة إلا واحد من بين أناس كثر غفلت الثورة التونسية عنهم وظلوا قابعين في السجون. وكان بعض هؤلاء ضحية للاحتجاز التعسفي والتعذيب، قبيل 14 يناير/ كانون الثاني 2011، ولم يستفيدوا من الوعود التي قطعتها الحكومات المتتالية لهم بتحقيق العدالة. وثمة آخرون ارتكبت بحقهم جرائم من هذا القبيل عقب الثورة، كما حصل مع المشتبه بارتكابهم جرائم تتعلق بالإرهاب أو المخدرات.  ويزعم غالبيتهم أنهم قد تعرضوا للتعذيب في الحبس الاحتياطي، وأودعوا السجن بناء على اعترافات انتُزعت منهم تحت الإكراه.

لقد مرت أربعة أعوام تقريباً على إسقاط نظام بن علي السلطوي على يد الثوار الذين تعهدوا بالقضاء على التعذيب والإفلات من العقاب، بعد أن نخر في كيان البلد منذ أمد طويل.[1]  ومع ذلك، يبدو أن اللجوء للتعذيب، وغيره من ضروب إساءة المعاملة، كانت ولا زالت الطريقة الأساسية المتبعة عند إجراء التحقيق مع المعارضين السياسيين، وهو ما ينسحب على المجرمين الذين يرتكبون جرائم عادية أيضاً.  ولطالما ظل الإفلات من العقاب أمراً متفشياً يكرسه نظام قضائي لا يكتفي بقبول الاعترافات المنتزعة بالإكراه وحسب، بل ويكفل إفلات الجلاد من العقاب أيضا.[2]

السجل المتواضع على صعيد مكافحة الإفلات من العقاب

منذ قيام الثورة في تونس، صدر حكم وحيد بالإدانة في جريمة تعذيب ارتكبت عام 2004. وقد حكم على المتهمين بالحبس مع الإيقاف لمدة شهرين بعد استئناف القضية وهي عقوبة تافهة بالنظر إلى خطورة الجريمة المرتكبة.

وثمة قضية أخرى، حظيت بتغطية إعلامية بعد الثورة، وتتعلق بقيام الشرطة والجيش بتعذيب زملاء لهم عام 1991 اشتُبه في تخطيطهم لمؤامرة ضد الرئيس بن علي، وهي القضية المعروفة باسم "بركة الساحل" التي حوكم المتهمون فيها على ذمة ارتكاب أعمال عنف فقط وليس التعذيب.

ولم ينص قانون العقوبات لعام 1991 على اعتبار التعذيب جريمة يُعاقب عليها، مما أجبر الضحايا على تحريك دعوى بشأن التعرض للضرب والإيذاء مع توافر الظروف المشددة، لأن نسبة الإعاقة التي لحقت ببعضهم جراء التعذيب كانت خطيرة. وآثر القاضي العسكري أن يحاكم الجناة بتهمة ارتكاب جنحة ممارسة أعمال عنف فقط، من دون تبرير سبب عدم اعتبارها جناية، أو إعطاء أي وزنٍ للإعاقة أو العجز البدني لدى الضحايا.  كما رفض القضاة العسكريون أيضا محاكمة بعض مسؤولي وزارة الداخلية وجميع ضباط وزارة الدفاع الذين كانوا محل اتهام في القضية، وأظهروا بمسلكهم هذا أن القضاء العسكري قد تعهد بالتغطية على أفعال المؤسسة التي ينتمي إليها. وصدرت في عام 2011 أحكام خفيفة على متهمين من وزارة الداخلية والرئاسة تتراوح بين السجن ثلاث وأربع سنوات، سرعان ما جرى تخفيضها بعد الاستئناف في العام التالي وعقب إجراءات شابتها الكثير من العيوب القانونية.

ومع الأهمية الرمزية لهذه المحاكمة الأولى من نوعها من حيث اختصاصها بتعذيب الخصوم السياسيين، إلا إنها قد أثارت استياء العديد من الأطراف.  إذ لم يرق للمتهمين أن تصدر بحقهم أحكام بناء على أدلة غير كافية، وخلقت مرارة لدى الضحايا الذين ساءهم أن يروا التعذيب الذي تعرضوا له يُصنف كجنحة، ناهيك عن انعدام الندم أو القلق لدى المتهمين.

اختلال وظائف العدالة

وفي سياق ما يُعتبر أنه إفلات تام من العقاب تقريباً في تونس الجديدة، يمتنع الضحايا في الغالب عن اللجوء إلى القضاء نظراً لفقدانهم الثقة في النظام القضائي ككل. فثمة من يُحجم عن تقديم شكوى أو تحريك قضية نظراً لغياب تلك الثقة، أو لخوفه من التعرض للانتقام.

ولقد حصلت تطورات إيجابية بشكل تدريجي بفضل بعض القضاة الشجعان الذين يتيحون اليوم تسجيل بلاغات بشأن مزاعم التعرض للتعذيب، عندما يمثل المحتجزون المعتقلون أمامهم وقد ظهرت أثار الضرب عليهم. وثمة قضاة آخرون يوعزون بفتح تحقيقات جدية فور تقدم الضحايا بشكاوى التعرض للتعذيب، على الرغم من قانون التعتيم الذي تفرضه كل قوات الأمن بحكم سطوتها.  ولكن تظل هذه التطورات جد متواضعة بما لا يتيح اعتبارها تطورات مشجعة بالمجمل.

فالطريق نحو معاقبة مرتكبي جريمة التعذيب وجبرر الضرر الناجم عنها مليء بالعقبات.  ويُعزي البعض ذلك إلى غياب الهمة أو فساد الذمة لدى بعض القضاة الذين يجتهدون في التغطية على جرائم التعذيب التي يبلغون بها.

ومن النادر أن يتم فتح تحقيقات بشأن ما يتم تحريره من شكاوى، وإذا أُجري تحقيق فغالبا ما تشوبه الكثير من العيوب القانونية. وشهدت شكاوى كثيرة إسناد التحقيق فيها إلى العاملين بالجهة التي ارتكبت التعذيب أو إلى قاضي التحقيق الذي سبق وأن أجرى بنفسه التحقيق في القضية من قبل، وخلص إلى إدانة الضحية والامتناع عن إثبات أثار التعذيب الظاهرة على جسده. وفي حالات أخرى، اكتفى قاضي التحقيق بإجراء مواجهة قصيرة بين الجناة والمجني عليه قبل أن يقرر حفظ القضية لانتفاء الأدلة، وبدون أن يأمر حتى بإجراء فحص طبي للمجني عليه أو يستمع لإفادات الشهود.

وحينما ينتفي التقصير لدى قضاة التحقيق، فإن قوات الأمن هي التي تتكفل بوأد القضية. وفي حالات تعذيب كثيرة وثقتها "أكات"، رفض رجال الشرطة الذين اتهمهم الضحايا المثول أمام القاضي عندما أمر باستدعائهم، على الرغم من أنهم ملزمون بحكم القانون على الامتثال لأمر القاضي. ومن الناحية النظرية ليس أمام القاضي من خيار في هذه الحال إلا جلبهم للمثول أمام المحكمة بالقوة الجبرية. ولكن عليه إذا أراد أن يفعل ذلك أن يعول على تعاون رجال الشرطة الآخرين الذين يفتقرون للرغبة أو الجاهزية لجلب زملائهم للمثول أمام القاضي. وقد أشار كثير من الضحايا إلى محاولات قام بها جلادوهم لمساومتهم بحيث يسقطوا الدعاوى. فيما كان نصيب البعض منهم التعرض لمعاملة أشد وحشية أخذت شكل التهديدات أو المضايقات من قبل الشرطة.

ويصبح الأمر أكثر دقة بالنسبة للضحايا المهمشين اقتصادياً واجتماعياً. إذ من اليسير على السلطات أن تلفق اتهامات تتيح القبض عليهم، وحملهم على التراجع عن طلب تحقيق العدالة. وعليه، تدافع "أكات" عن كثير من ضحايا التعذيب الذين قبض عليهم مراراً بدعوى ارتكابهم جرائم متنوعة من جرائم القانون العام عقب تقدهم بشكاوى تعرض للتعذيب. والأمر نفسه ينسحب على الأشخاص الذين تعرضوا للتعذيب في إطار مكافحة الإرهاب أثناء العقد الأول من الألفية الثالثة، كونهم معرضون أكثر من غيرهم للتوقيف والاحتجاز مجدداً وبنفس التهم، إذا ما طالبوا التمتع بحقهم في الاحتكام إلى القضاء. وقد ساعدت "أكات" شابين سلفيين كانا قد تعرضا للتعذيب، في الفترة من 2005 حتى 2011، ورفض أحدهما التقدم بشكوى خوفاً على أمنه الشخصي، بينما رفع الآخر شكواه إلى السلطات عام 2013 بمساعدة وهو يريد اليوم أن يتراجع عنها بسبب تعرضه لمضايقات شديدة من الشرطة.

إصلاحات محدودة ولكنها واعدة

على الرغم من الخلل الذي يعتري مفاصل القضاء والسياسة الأمنية التي تؤثر تقديم حقوق الإنسان كبش فداء على مذبح حماية المصلحة العامة، فلقد أصبح المناخ السياسي العام بعد الثورة أكثر تقبلاً لمسألة مكافحة الإفلات من العقاب.

فقد قامت السلطات المتعاقبة بإصلاحات قانونية بعيدة المدى اعتباراً من عام 2011 بغية تميكن ضحايا التعذيب، وغيره من ضروب سوء المعاملة، من الاحتكام للقضاء.

لكن المبادرات تظل مكبلة بقيود تحد من آثارها، على الرغم من أنها تنطوي على اعتبارات واعدة أحياناً.  

وفي 29 يونيو/ حزيران 2011، صادقت تونس على البروتوكول الاختياري المحلق باتفاقية مناهضة التعذيب، وتعهدت بإنشاء آلية وطنية مستقلة لقمع التعذيب يكون من سلطتها زيارة مراكز الاحتجاز. ولم تر هذه الآلية النور بعد ثلاث سنوات على صدور قرار إنشائها جراء عدم تقدم العدد الكافي من الأشخاص لشغل وظائف معينة فيها.

وفي الشهر التالي، اعتمد وزير الدفاع إصلاحات شاملة لنظام القضاء العسكري بما يكفل تلبيتها لمتطلبات المحاكمات العادلة، لا سيما من خلال استحداث دائرة تُعنى بالنظر في الاستئناف المقدم ضد الأحكام الصادرة، والسماح للضحايا بتحريك دعاوى مدنية. ومن المؤسف أن تظل المحاكم العسكرية مختصة في النظر في جرائم التعذيب وغير ذلك من ضروب سوء المعاملة، المرتكبة من قبل رجال الشرطة ضد المدنيين.

وفي 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2011، اعتمدت الحكومة الانتقالية تعديلات على قانون العقوبات بشأن جريمة التعذيب. وصحيح أنه قد تم تشديد العقوبة إذا توافرت ظروف معينة في الجريمة، ولكن تم تعديل تعريف جريمة التعذيب بما يجعله أكثر بعداً من سابقه عن التعريف المعتمد في اتفاقية مناهضة التعذيب.[3]

ولعل أحدث تلك الإصلاحات التاريخية جاء بعد اعتماد قانون العدالة الانتقالية في 15 ديسمبر/ كانون الأول 2013. إذ ينشئ هذا القانون "هيئة الحقيقة والكرامة" وهي مكونة من 15 عضواً يتولون التحقيق في الاحتيال الانتخابي والفساد والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان[4] التي اقترفها رجال الدولة بصفة أصلية أو على وجه الاشتراك منذ وصول الرئيس الأسبق حبيب بورقيبة إلى السلطة عام 1955 حتى تاريخ سريان القانون في ديسمبر/ كانون الأول 2013. وبعد إتمام التحقيق تحيل الهيئة ملفات التحقيق إلى دوائر متخصصة أنشئت بمحاكم الدرجة الأولى (محاكم البداية) وتتكون من قضاة لم يسبق لهم الضلوع في قضايا سياسية خلال حكم بن علي.

وتأسست "هيئة الحقيقة والكرامة" في شهر مايو/ أيار عام 2014 واستحدثت الدوائر المختصة فيها بعد أربعة أشهر من ذلك التاريخ.  ومع ذلك فلا بد للمرء أن يتحلى بشيء من التحفظ في ضوء عِظم المهمة الموكلة للهيئة. إذ أن القانون لا يمنح لهيئة الحقيقة والكرامة سوى خمسة أعوام اعتباراً من تاريخ إنشائها في مايو/ أيار الماضي لكي تكشف الحقيقة بشأن الجرائم المرتكبة خلال ما يقرب من 60 عاماً وترد الاعتبار للضحايا، وتجمع وتحمي الوثائق المحفوظة، وتقترح الإصلاحات من أجل منع تكرار حدوث القمع.

وعلى ذلك فإن الشق الخاص بالتحقيق في الجرائم الخطيرة لا يمثل إلا جزءاً من عمل الهيئة. إذ كيف يمكننا توقع أن يكون بمقدور الهيئة في غضون خمس سنوات فقط أن تتوصل لكشف حقيقة آلاف من الجرائم التي ارتكبت بحق معارضين سياسيين ومواطنين عاديين تصادف أن تعرضوا في لحظة ما من حياتهم لقمع رجال الأمن.  كما لا يجوز أن نغفل ما يتطلبه هذا النوع من التحقيقات التي يجريها عادة رجال القضاء بمساعدة شرطة البحث من قدرات خاصة لا يمتلكها أغلب أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة ولا المحققون المعينون لمساعدتهم؛ فالعدالة واجب أخلاقي لكنها مهنة أو حرفة لها أصولها في الوقت نفسه.

وفي ضوء تقاعس نظام العدالة الحالي، ينتظر الضحايا من التونسيين الكثير الكثير من "هيئة الحقيقة والكرامة". بل إنهم مفرطون في آمالهم الموعودة على الهيئة بما يثير قلق أعضائها وخشيتهم من التبعات المأساوية لإخفاقهم في مساعيهم وأداء المهام الموكلة للهيئة.

وثمة واجب أخلاقي وقانوني يقتضي من السلطات التونسية أن تكفل نجاح جهود مكافحة الإفلات من العقاب، وهو ما دأبت على التعهد به منذ قيام الثورة التونسية. ومع ذلك فإن هذا الواجب لا يمكن أن يقع على عاتق "هيئة الحقيقة والكرامة" وحدها كونها تفتقر للوسائل التي تكفل أداء مهامها. وعليه، ينبغي على السلطات التونسية أن تعكف فوراً على إجراء إصلاح حقيقي للمؤسسات القضائية والأمنية نظراً لأنه من واجب الجميع الالتزام بمنع التعذيب ومكافحته ولا بد أن يظل هذا الالتزام قائما.

          

* مديرة برنامج المغرب العربي والشرق الأوسط، جمعية مسيحيون ضد التعذيب- فرنسا




[1]  للإطلاع على بيان إجمالي حول ظاهرة التعذيب إبان حكم الرئيس التونسي بن علي انظر المرجع التالي باللغة الفرنسية:

ACAT-France, Un monde tortionnaire - Tunisie, 2010, http://www.unmondetortionnaire.com/Tunisie-rapport-2010

[2]  أنظر باللغة الفرنسية:

ACAT-France, Justice en Tunisie : un printemps inachevé, 2014, https://www.acatfrance.fr/public/rapport_tunisie_printemps_inacheve_2014_acat.pdf

[3]  انظر باللغة الفرنسية:

ACAT-France, Vous avez dit justice ? Étude du phénomène tortionnaire en Tunisie, juin 2012, pp. 37-40, http://www.unmondetortionnaire.com/Vous-avez-dit-justice-Etude-du.

[4] يتعلق الأمر هنا بجرائم التعذيب والاختفاء القسري والقتل العمد والعنف الجنسي وعقوبة الإعدام الصادرة بما يخالف معايير المحاكمات العادلة.




شارك هذه الصفحة: