تحت حكم السلاح: حالات الاختطاف والتعذيب وغيرهما من الانتهاكات في غرب ليبيا

منظمة العفو الدولية، 2014

"ما يحدث في ليبيا في هذه اللحظة يتجاوز انتهاكات حقوق الإنسان بما لا يقاس. إنه سعي إلى الانتقام. والناس قد توقفوا عن أن يكونوا بشراً."

إعلامي يتحدث عن الهجمات التي تستهدف وسائل الإعلام

 

 

منذ بدء النزاع في غرب ليبيا، في 13 يوليو/تموز 2014، بين "فجر ليبيا"، وهو ائتلاف لعدد من الميليشيات، ومنافسيهم الذين ينتمي معظمهم إلى مدينة الزنتان ومنطقة ورشفانة، الواقعة إلى الجنوب الغربي من طرابلس، ارتكبت الميليشيات والجماعات المسلحة، من جميع الأطراف، انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وخروقات للقانون الدولي الإنساني (قوانين الحرب)، ويرقى بعض هذه إلى مرتبة جرائم حرب. ودأبت الميليشيات التابعة لجميع الأطراف على القيام بعمليات اختطاف متبادلة. كما تعرض العديد من المدنيين، بمن فيهم ناشطون في المجتمع المدني ومحامون وصحفيون وشخصيات عامة، للتهديد والاختطاف، وأخضعوا للتعذيب ولغيره من ضروب سوء المعاملة، لا لشيء إلا بسبب أصلهم أو رأيهم أو انتمائهم السياسي المفترض. واضطر من أخلي سبيلهم، في نهاية المطاف، إلى الاختباء أو بحثوا عن ملاذ لهم خارج ليبيا. وما زال آخرون يفتشون على نحو يائس عن طرق لمغادرة البالد. وقد تمكنت منظمة العفو الدولية من مقابلة 15 شخصا عقب إخلاء سبيلهم. وتعكس قصصهم المرعبة مدى الترهيب والإذلال والألم الذي لحق بهم نتيجة الضرب بخراطيم المياه البلاستيكية والقضبان المعدنية والعصي، أو صعقهم بالصدمات الكهربائية. ورفض بعضهم أن تنشر أسماؤهم أو ما مروا به من تجارب في هذا التقرير الموجز خشية تعرضهم هم أنفسهم أو عائلاتهم أو بيوتهم أو سواها من الممتلكات لأعمال انتقامية. وفي بعض الحالات، يبدو أن عمليات الاختطاف كانت تتم فحسب لضمان تبادل السجناء. وهذا يرقى إلى مرتبة احتجاز الرهائن.

وقامت جميع الأطراف أيضا بأسر المقاتلين واعتقالهم، ما أثار بواعث قلق بشأن سلامتهم ومعاملتهم. وتعتبر منظمة العفو الدولية جميع المعتقلين ممن تحتجزهم الميليشيات عرضة لخطر جسيم في أن يعذبوا وتساء معاملتهم، وربما للقتل الميداني. ويزيد من بواعث قلق المنظمة النمط السائد من انتهاكات حقوق الإنسان المنتشرة على نطاق واسع والتي ترتكبها الميليشيات نفسها دونما خشية من عقاب، من أي نوع، منذ اندلاع النزاع المسلح في ليبيا في عام 2011. فخلال هذا الوقت، لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من حل هذه الميليشيات المسلحة أو نزع أسلحتها. وعوضا عن ذلك، قامت ِبمدها برواتب شهرية وأحيانا فوضتها بالقيام بمهام متنوعة من قبيل توفير الأمن للمنشآت أو المناطق الاستراتيجية. وقد قوت ثلاث سنوات على تقاعس السلطات الليبية عن إخضاع هذه الميليشيات للمحاسبة من عزيمتها وعززت من قناعتها بأنها فوق القانون. فواصلت الميليشيات عمليات القبض التعسفي التي رأت فيها حقا مكتسبا، ورفضت تسليم المعتقلين ليحتجزوا في عهدة الدولة، وقامت بعرقلة الجهود الحكومية لتطبيق العدالة الانتقالية، وحالت دون الإفراج عن العديد من الأفراد رغم الأوامر الصادرة عن النيابة بإخلاء سبيلهم، وصعدت من هجماتها ضد النازحين داخل البلاد، ومارست كذلك أعمال التعذيب وإساءة المعاملة.

وتدعو منظمة العفو الدولية جميع الأطراف إلى التوقف فورا عن اختطاف المدنيين، وإلى عدم معاملة أي شخص تحتجزه كرهينة. ويتعين الإفراج فورا ودون قيد أو شرط عن أي محتجز بسبب انتمائه السياسي أو رأيه أو مسقط رأسه أو عرقه. كما تدعو المنظمة جميع الأطراف إلى معاملة من أمسكت بهم من المقاتلين بصورة إنسانية، وفقا للقانون الدولي الإنساني، وإلى تأمين إخطار عائلاتهم بمكان وجودهم وتمكينها من التواصل معهم، وتوفير الرعاية الطبية الكافية لهم وحمايتهم من التعذيب. ويجب على القيادات العسكرية، على وجه الخصوص، أن توضح لمن هم تحت إمرتها بأنه لن يتم التساهل مع التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة، وأن تقصي عن أماكن الاحتجاز أي أشخاص يشتبه بأنهم قد أمروا بمثل هذه الأعمال أو ارتكبوها أو غضوا النظر عنها. ومن شأن تقاعسها عن القيام بذلك أن يعرضها للمساءلة عما ارتكب من أعمال من جانب التابعين لها.

إن التعذيب أو غيره من صنوف سوء المعاملة، عندما يرتكب إبان النزاع المسلح، يعتبر من جرائم الحرب، ومثله احتجاز الرهائن أو تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها- ما لم يحدث ذلك التدمير أو الاستيلاء على نحو لا مناص منه بسبب ضرورات الحرب.[1]

كما إن "المحكمة الجنائية الدولية" ما انفكت قادرة على ممارسة ولايتها على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في ليبيا منذ 15 فبراير/شباط 2011 بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1970. وفي ضوء الانتهاكات الواسعة النطاق التي ما برحت ترتكب في ليبيا، فإن منظمة العفو الدولية ترحب بالبيان الذي أصدره مدعي عام "المحكمة الجنائية الدولية" في 25 يوليو/تموز 2014، وحذرت فيه فاتو بنسودة بأن مكتبها "لن يرتدد في التقصي عمن يرتكبون جرائم تطالها الولاية القضائية للمحكمة في ليبيا، بغض النظر عن منصبهم الرسمي أو انتمائهم".[2] وتود المنظمة الملاحظة كذلك أن مجلس الأمن الدولي قد أكد مجددا، في قراره رقم 2174 الصادر في 2014، على أنه سوف يتخذ تدابير عقابية ضد الأفراد المسؤولين عن "التخطيط لأعمال تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الدولي الإنساني المعمول به، أو أعمال تشكل انتهاكات لحقوق الإنسان، أو توجيه تلك الأعمال أو ارتكابها في ليبيا".[3]

أطراف النزاع في غرب ليبيا والقانون الدولي الإنساني

يتألف ائتلاف "فجر ليبيا" من ميليشيات وجماعات مسلحة من مصراته وطرابلس والزاوية وصبراتة وزوارة والخمس، وعدة بلدات في جبل نفوسة، بما فيها نالوت وجادو وغريان وككلة والقلعة. وتشمل القوات المقاتلة الرئيسية لفجر ليبيا "درع ليبيا للمنطقة الغربية" و"درع ليبيا للمنطقة الوسطى" وميليشيا مصراته و"لواء لها من قبيل "كتيبة فرسان جنزور" و"غرفة عمليات ثوار شهداء غريان"، وميليشيات تتخذ من طرابلس مقرا ليبيا" وميليشيات من حي أبو سالم، بما فيها "الغرفة الأمنية المشتركة (المحور 11)، و"كتيبة النوايص" وميليشيات من قاعدة معيتيقة الجوية. وتعتبر بعض الميليشيات التي تنتمي إلى "فجر ليبيا" إسلامية التوجه.

ويتألف ائتلاف "الزنتان- ورشفانة" بصورة رئيسية من ميليشيات الزنتان، مثل كتائب القعقاع والصواعق والمدني وبرق النصر، التي اتهمت بضم ضباط سابقني تابعني للقذافي إليها؛ و"لواء ورشفانة"، الذي تشكل في مطلع أغسطس/آب 2014، وعدة جماعات مسلحة صغرية شكلها أعضاء من مجتمع ورشفانة، وحسبما ذكر للرد على القصف العشوائي للمنطقة. وطوال السنوات الثالث المنصرمة، شاركت بعض هذه الجماعات في أنشطة إجرامية من قبيل اختطاف السيارات والسرقة، وهي مؤلفة من أشخاص ُيرى أنهم من الموالين للقذافي، ولكنهم لا يمثلون موقف قبائلهم بالضرورة. ويتحالف ائتلاف "الزنتان- ورشفانة" مع "عملية الكرامة"، وهي الحملة العسكرية التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر منذ منتصف مايو/أيار في بنغازي ضد الميليشيات الإسلامية والجماعات الإسلامية المنضوية تحت مظلة "مجلس شورى ثوار بنغازي".

وتنخرط هذه الجماعات في الوقت الراهن في نزاع مسلح غير دولي في غرب ليبيا، وهي محكومة بالقواعد في القانون الدولي الإنساني العرفي، كما بالمادة 3 المشركة لاتفاقيات جنيف لسنة 1949. وتسعى هذه القواعد والمبادئ إلى حماية أي شخص لا يشارك في الأعمال العدائية: ولا سيما المدنيين، وأي شخص جريح أو يلقي سلاحه أو يؤسر، بمن فيهم من كانوا يشاركون في القتال فيما مضى. والقتل المتعمد وبإجراءات موجزة لأشخاص أسرى- سواء أكانوا مدنيين أم أعضاء في جماعات أو ميليشيات مسلحة- محظور ويشكل جريمة حرب. كما يحظر التعذيب والمعاملة القاسية واحتجاز الرهائن، وتشكل جميعا جرائم حرب.

ويقيد القانون الدولي الإنساني كذلك وسائل وأساليب شن العمليات العسكرية. فيقتضي مبدأ التمييز أن تقوم أطراف الصراع "بالتمييز بني المدنيين والمحاربين" وبين "الأعيان المدنية" والأهداف العسكرية"، وأن توجه هجماتها ضد الأهداف العسكرية فقط. أما الهجمات العشوائية، ومن طبيعتها ضرب أهداف عسكرية ومدنيين أو أعيان مدنية دون تمييز، فمحظورة تماما. ويحظر مبدأ التناسب "الهجوم الذي قد يتوقع منه أن يسبب بصورة عارضة خسائر في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم، أو أضرارا بالأعيان المدنية، أو مجموعة من هذه الخسائر والأضرار، ويكون مفرطا في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة". كما يحدد القانون الدولي الإنساني الاحتياطات الاحترازية الضرورية الواجب اتخاذها لتجنب القيام بهجمات عشوائية أو غير متناسبة. حيث يشكل استهداف المدنيين بالهجوم، أو شن هجوم عشوائي عن قصد ينجم عنه وفيات أو إصابات في صفوف المدنيين، أو شن هجوم غير متناسب، جريمتي حرب.



  

وثيقة : MDE 19/009/2014

يمكنكم الاطلاع على التقرير كاملا على الوصلة أدناه:

http://bit.ly/1rTaW3U

 


[1]  نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المواد 8 (2) ج(1) وج(3) وه(12).

[2]  بيان مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسوده، بالعلاقة مع العنف المتصاعد في الحالة الليبية، 25 يوليو/تموز 2014.

[3] قرار مجلس الأمن 2174 (2014).




شارك هذه الصفحة: