لا مبرر للتعذيب، لا تسامح مع التعذيب

إن الحق في العيش بكرامة بمنأى عن التعرُّض للتعذيب منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد نص القانون الدولي لحقوق الإنسان كما القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي العرفي بوضوح على الحظر المطلق التعذيب. ويشمل حظر التعذيب أوقات الاضطرابات وغيرها من حالات الطوارىء، بالإضافة إلى النـزاعات المسلحة سواء كانت دولية أو غير دولية. كما أن أفعال التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة يمكن أن تصل إلى حد جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة لجنائية الدولية. وهناك العديد من الصكوك الإقليمية التي تحظر التعذيب، ومن بينها الميثاق العربي لحقوق الإنسان.

وعلى الرغم من أن اتفاقية مناهضة التعذيب على سبيل المثال تلزم الدول الأطراف بأن تكفل اعتبار جميع أفعال التعذيب جرائم جنائية بموجب القوانين الوطنية، فإن التشريعات ذات الصلة في العديد من البلدان العربية لا تزال قاصرة عن الإيفاء بهذا الالتزام لناحية عدم اتساقها مع القانون الدولي لحقوق الإنسان. ومن أصل 76 دولة صادقت على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، فإن ثلاث فقط هي من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبالتحديد لبنان وتونس والمغرب )التي صادقت مؤخرا(، إلا أن أياً من تلك الدول لم تقم حتى الآن بإنشاء آلية وقائية وطنية لزيارة ومراقبة أماكن الاعتقال عملا بالبروتوكول.

إن العديد من الحكومات في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال تستخدم التعذيب بشكل منهجي وواسع النطاق باسم الأمن أو تحت ستار "الحرب ضد الإرهاب" بهدف كبت المعارضة السياسية وقمع حرية التعبير والاشتراك في الجمعيات. وفي غياب الإرادة السياسية وحكم القانون يزدهر التعذيب على يد عناصر الشرطة في مراكز الاحتجاز أو في والمعتقلات والسجون. وتبقى التحقيقات الجادة في ادعاءات التعذيب نادرة وقاصرة عن الاستجابة والمتابعة اللازمة، في حين تشق "الاعترافات" المنتزعة تحت وطأة التعذيب طريقها إلى أروقة المحاكم. وفي حين تقع على عاتق الدول مسؤولية حماية الأشخاص الخاضعين لولايتها القضائية، فإن التعذيب يعتبر أداة متعددة الأوجه تستخدمها الحكومات في بلدان المنطقة لخدمة أغراض متعددة، لا تخدم بمعظمها- على رغم المزاعم- حماية الأشخاص أو الأمن العام. كما تدعم حكومات وطنية أو أجنبية جماعات مسلحة ارتكبت أو قد ترتكب أفعالاً قد تصل إلى حد التعذيب في البلدان التي غرقت في النـزاعات المسلحة، أو تستخدم التعذيب في مكافحتها لتلك الجماعات.

إن فشل الحكومات في الإيفاء بالتزاماتها بمنع انتهاكات حقوق الإنسان، من قبيل التعذيب وإساءة المعاملة، ومعاقبة مرتكبيها وضمان تحقيق العدالة والإنصاف للضحايا، يعني فشلها في استخلاص العبر من الانتفاضات العربية، وفشلها في فهم الأسباب الجذرية لانعدم الاستقرار في المنطقة. إن التركيز على "أمن الدولة" أو "الأمن القومي" على حساب أمن الفرد والإنسان، بما يؤدي إلى مزيد من تقويض حقوق الإنسان وتدهور حالها، يشبه إلى حد بعيد قصر نظر الحكومات حيال مسألة الأمن والاستقرار.

ومع أن القوانين المحلية التي تحظر التعذيب مهمة للغاية، فإنها تظل بعيدة عن التنفيذ في غياب آليات المنع واستمرار ثقافة تُبرر التعذيب أو تسمح بارتكابه. إن مفتاح كسر هذه الحلقة ووقف إحدى أسوأ الجرائم التي عرفتها البشرية يتطلب تغييرا جذريا في المواقف: لا مبرر للتعذيب، لا تسامح مع التعذيب. وكي نحقق ذلك، ينبغي أن نقف معاً كنشطاء شباب ومدافعين عن حقوق الإنسان وأكاديميين ومعلمين وطلبة في الجامعات والمدارس ومهنيين وجميع الأشخاص ممن يتحلون بالشجاعة والإرادة لتعزيز وحماية حقوقهم وحقوق الآخرين في كل مكان. ينبغي علينا أن نتكلم جهارا وأن نقوم بالتحرك من أجل إدانة التعذيب والجلادين والحكومات التي تسمح بارتكاب التعذيب أو تسهل ارتكابه أو تفشل في حماية حق الضحايا في العدالة والإنصاف.

يهدف هذا العدد من مجلة موارد الذي يصدر بعد مرور ستة أشهر على إطلاق منظمة العفو الدولية حملتها العالمية- ’أوقفوا التعذيب’- إلى وضع الإطار القانوني الدولي والإقليمي لحظر التعذيب، وإعطاء لمحة إقليمية موجزة حول التعذيب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأخرى خاصة ببلدان محددة، وإبراز المبادرات التي تتخذ والتوصيات التي تقدم من قبل المنظمات غير الحكومية والمدافعين عن حقوق الإنسان للتصدي للتعذيب في المنطقة. كما يسلط العدد الضوء على طائفة واسعة من الأدوات والموارد ذات الصلة.

 

مازن جابر

مسؤول المعلومات للتربية على حقوق الإنسان

المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا

 منظمة العفو الدولية




شارك هذه الصفحة: